Contact Us
Ektisadi.com
مقالات

نحن بخير… فقط ينقصنا القليل من الحياة (سلسلة "من هنا... وهناك" بقلم وليد حسين الخطيب)

وليد حسين الخطيب
10 أبريل 2026 | 04:45 ص
نحن بخير… فقط ينقصنا القليل من الحياة - صورة مقال الخطيب - سنيب

من هنا… حيث نعدّ النعم كما تُعدّ الخسائر، ونشكر الله لأننا ما زلنا قادرين على الشكوى… وهناك، حيث تُقاس الحياة بعدد الابتسامات لا بعدد فواتير المولّدات ولا بعدد مرّات النجاة من الموت المحتّم بالقذائف والصواريخ، ولا برصاص الابتهاج بوقف إطلاق النار، أو بحفل نجاح أو باحتفال ختان (تطهير) بكر عائلة... ولا... ولا... يبدو العالم أنه كوكب آخر لا صلة لنا به إلا عبر الإنترنت البطيئة.

من هنا، نستيقظ على نشرة أخبار لنحصي عدد الوفيات الذي يجعلنا منتصرين... نترقّب اسمًا لم نسمعه بعد، فنحمد الله على تأجيل الدور لا أكثر. نرتشف قهوتنا بمرارة مضاعفة: مرارة الألم، مرارة الواقع، مرارة الاستهتار، ومرارة الأيديولوجيات القاتلة... ثم نبتسم، لأن الابتسام بات مهارة دفاعية، لا تعبيرًا عن الفرح.

ومن هناك، يستيقظ الناس على منبّه الحياة: عمل، نظام، كهرباء لا تنقطع إلا إذا انقطع النفس، وماء يصل من دون موعد مسبق أو وساطة. هناك، لا يحتاج المرء إلى أن يكون بطلًا كي يعيش يومًا عاديًّا، أما هنا، فالبقاء في قيد الروتين إنجاز يُدرّس.

من هنا، نتفنّن في التكيّف، حتى صار التكيّف مرضًا مزمنًا. نتكيّف مع الغلاء، مع العتمة، مع الوعود التي تُلقى علينا صدقات لفظية، ومع واقعٍ كلما حاولنا فهمه، ضحك من سذاجتنا. نُقنع أنفسنا بأن الأمور "ماشية"… لكنها في الحقيقة تمشي فوقنا.

ومن هناك، يتذمّر الناس من تأخّر القطار دقائق، بينما هنا ننتظر أعمارنا بأكملها ولا تصل. هناك، يُخطّط الناس للمستقبل، وهنا نخطط لكيفية النجاة من الحاضر من دون خسائر فادحة في الأرواح...

المفارقة أن بين "هنا" و"هناك" مسافة جغرافية قصيرة، لكنها تمتدّ في الزمن كأنها قرون. نحن لا نعيش خارج العصر، بل خارج المنطق نفسه. ومع ذلك، نُصرّ على إعلان أننا بخير… لأن البديل عن هذا الإعلان هو الاعتراف بأننا لسنا كذلك، وهذه رفاهية لا نملكها.

نضحك… نعم، نضحك كثيرًا. ليس لأن ثمّة أمرًا مضحكًا، بل لأن البكاء صار فعلًا مكرورًا فاقدًا المعنى. نضحك على أنفسنا، على خطاباتنا، على آمالنا التي تتقلّص كل يوم كقطعة قماش في ماء ساخن.

ومن هنا… نُرسل تحياتنا إلى هناك، لا حسدًا ولا حقدًا، بل تذكيرًا بسيطًا: كنا مثلكم يومًا، نحلم بحياة عادية فقط. ثم عشنا – من دون أن نقرر – أن نصبح قصة تُروى، لا حياة لنا تُعاش.

فنحن… فما زلنا بخير، ولكن ينقصنا قليل من الحياة.












ملاحظة: المقالات التي ينشرها "إقتصادي.كوم" هي دوماً على مسؤولية كتّابها بالكامل، ولا تعكس بالضرورة رأي الموقع.