لسنا بخير تماماً... لكننا لم ننكسر


ليس من الدقّة القول إن الحياة تسير كما ينبغي، ولا من الإنصاف الادّعاء أن كل شيء قابل للاحتمال. هناك ما هو أثقل من القدرة على التحمّل، وأقسى من أن يُروى بكلمات. ومع ذلك، ثمة حقيقة لا يمكن إنكارها: ما زال الناس هنا يعيشون، لا لأن الحياة سهلة، بل لأنهم قرروا ألّا ينسحبوا منها.
في أماكن كثيرة من هذا العالم، تُقاس الحياة بما تمنحه من راحة واستقرار. أما في أماكن أخرى، كما في لبنان، فتُقاس بقدرة الإنسان على الاستمرار رغم كل ما يسلبه الطمأنينة. الفارق ليس في قيمة الحياة، بل في شروطها. وحين تشتدّ هذه الشروط، يتحوّل البقاء نفسه إلى فعلٍ واعٍ، لا مجرد حالة تلقائية.
الناس الذين يواصلون أيامهم وسط القلق، لا يفعلون ذلك بدافع البطولة، ولا بحثًا عن مجدٍ شخصي. إنهم يفعلونه لأن ثمة ما يستحق أن يُحفظ: عائلة تنتظر، بيتٌ ولو كان مثقلاً بالغياب، ذاكرة لا تقبل أن تُمحى، وأمل - حتى إن بدا ضئيلاً - لا يزال قادرًا على منح معنى للاستمرار.
التكيّف مع القسوة ليس ضعفًا كما قد يبدو، بل مهارة بقاء. صحيح أن الاعتياد على الصعب يحمل في طيّاته خطر التبلّد، لكنه في الوقت نفسه يمنح القدرة على إعادة ترتيب الأولويات: ما الذي يجب أن يُنقذ أولاً؟ وما الذي يمكن التخلّي عنه مؤقتًا؟ في هذه المساحة، تنشأ حكمة قاسية، لكنها حقيقية.
وفي خضمّ هذا كله، لا تختفي الحياة. هي فقط تغيّر شكلها. تصبح أقلّ صخبًا، وأكثر تواضعًا، لكنها تبقى حاضرة في التفاصيل الصغيرة: في فنجان قهوة يُشرب على عجل، في مكالمة تطمئن، في ضحكة تُسرق من بين القلق، في إصرار يومي على الاستمرار ولو بلا يقين كامل.
الضحك هنا ليس إنكارًا للألم، بل طريقة لتقليصه. هو إعلان خفيّ بأن الإنسان، رغم كل شيء، لا يزال يحتفظ بمساحة داخلية عصيّة على الانكسار الكامل.
قد لا تكون الظروف عادلة، وقد لا يبدو المستقبل واضحًا، لكن ما يحدث اليوم ليس فراغًا. إنه شكل آخر من أشكال الحياة، يُبنى ببطء، وبكلفة عالية، لكنه حقيقي. والاستمرار فيه ليس أمرًا عابرًا، بل اختيار يتجدّد كل صباح.
لذلك، قد لا يكون القول إننا بخير دقيقًا بالمعنى التقليدي،
لكننا بخير بما يكفي لنواصل،
وبما يكفي لنحمي ما تبقّى،
وبما يكفي لنؤمن أن هذا الصمود، مهما طال، ليس بلا جدوى.
ملاحظة: المقالات التي ينشرها "إقتصادي.كوم" هي دوماً على مسؤولية كتّابها بالكامل، ولا تعكس بالضرورة رأي الموقع.




