Contact Us
Ektisadi.com
مقالات

هل فضح إسقاط إيران "إف-15" و"إيه-10" أسطورة التفوق الجوي الأميركي؟

ترامب وإسقاط الطائرات الأميركية في إيران - سنيب

في تطور عسكري يحمل دلالات استراتيجية عميقة، تؤكد التقارير إسقاط القوات الإيرانية طائرتين عسكريتين أميركيتين من طراز "إف-15 إي ستريك إيغل" و"إيه-10 ثاندربولت"، في حدث هو الأول من نوعه منذ أكثر من عقدين، في تطوّر لا يمثل مجرد خسارة تكتيكية لواشنطن، بل هو بمثابة زلزال يهز أسس "هيبة" صناعة الدفاع الجوي الأميركي التي طالما أوهمت للعالم أنها درع منيعة لا يمكن اختراقها.

لطالما اعتمدت الولايات المتحدة على سردية القوة الجوية المطلقة، حيث ظلت مقاتلاتها تحلق في أجواء الشرق الأوسط بمنأى عن الردع الفعال، مستندة إلى تفوق تكنولوجي يبدو اليوم أنه لم يعد حصرياً. فما حدث يوم الجمعة الماضي يكسر طوق الخوف النفسي الذي زرعته واشنطن في خصومها لعقود، ويقدم للعالم دليلاً مادياً على أن أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية قادرة ليس فقط على التصدي، بل على الإسقاط المباشر لأكثر الطائرات تطوراً في الترسانة الأميركية.

والأكثر إحراجاً لواشنطن هو التناقض الصارخ بين تصريحات الرئيس دونالد ترامب وحقيقة الميدان. فبينما كان ترامب يؤكد قبل أسابيع أن قدرات إيران الصاروخية والمسيرة قد "تقلصت بشكل كبير" بل وذهب إلى حد الادعاء بأن إيران تعرضت "للتدمير الكامل"، جاء الرد الإيراني حاسماً على الأرض. وهذا التباين يثير تساؤلات جدية حول دقة معلومات الاستخبارات الأميركية ومدى صدقية التهديدات والوعود الرئاسية التي تقدم للشعب الأميركي وحلفاء واشنطن.

بالنسبة للمراقبين، تحمل العملية رسالة مزدوجة: أولاً، أن طهران لم تكتف بالصمود بعد الضربات الأميركية -الإسرائيلية قبل خمسة أسابيع، بل تمكنت من إعادة تنظيم قواتها وتوجيه ضربة مؤلمة في التوقيت الذي اختارته. ثانياً، أن التوازن الردعي في المنطقة بدأ يتغير، حيث لم تعد الطائرات الأميركية محصنة في سمائها.

ويضفي تصريح الجنرال المتقاعد هيوستن كانتويل بأن آخر طائرة أميركية أسقطت كانت في العراق عام 2003، بُعداً تاريخياً على الحادثة. فبينما كانت طائرة "إيه-10" التي أسقطت قبل 22 عاماً تمثل استثناءً، فإن إسقاط طائرتين مختلفتين في يوم واحد يحول الاستثناء إلى قاعدة جديدة وخطيرة. فهو يثبت أن "فجوة القدرات" بين القوى العظمى والدول الإقليمية بدأت تضيق بوتيرة أسرع مما تتوقعه وزارة الحرب (البنتاغون).

ويمكن القول إن إيران لم تسقط طائرتين أميركيتين فقط، بل أسقطت أيضاً جزءاً من الهالة النفسية التي تحمي القوة الجوية الأميركية. فواشنطن اليوم أمام اختبار حقيقي: إما أن تعيد حساباتها وتقرّ بأن عصر التفرّد الجوي المطلق قد ولى، أو أن تغامر بتصعيد أوسع قد يكشف المزيد من نقاط الضعف في درعها الدفاعي الذي ظل لعقود أيقونة القوة الردعية.

قد يكون هذا التطوّر تحولاً دقيقاً لكنه جوهري، وستتذكره كتب التاريخ العسكري طويلاً.