بوصلة حب في القاهرة (سلسلة "من هنا... وهناك" بقلم وليد حسين الخطيب)






في هذه السلسلة، أحاول أحيانًا أن أخرج على المألوف، لا رغبةً في الاختلاف لذاته، بل بحثًا عن فسحة أمل أفتحها للقرّاء وسط هذا الضجيج المثقل. ولعلّ ما وجدت من حفاوة وتكريم في ملتقى الجمعة الثقافي الثالث – بدءًا من دعوة الدكتورة منيرة المسباح من دولة الكويت في المركز القومي لتنمية الأسرة والمجتمع للمشاركة، بالأصالة عن نفسي وبالنيابة عمّن أمثّل، بيت ثقافة وفنون-شبعا والسجل الثقافي-صيدا، في "بوصلة حب" يوم الجمعة: 27 آذار/ مارس، التي كانت محاضرتها بعنوان "وهْم الانبهار وحقيقة الاستمرار". وكان المتحدّثون فيه إضافة إلى عرّيفة الحفل وصاحبة الكلمة الافتتاحية الدكتورة حنان خالد، الدكتورة أمل عبد المعطي التي كانت مداخلتها بعنوان "الحب كرحلة شفاء"، الدكتور أيمن حسونة وكانت مداخلته بعنوان "الحب بعد الخمسين"، الكاتبة والأخصائية هدير القصاص التي كانت مداخلتها بعنوان "مشنقة التعلّق"؛ فضلًا عن فقرة ابتهال قدمها المنشد إبراهيم راشد؛ في حضور حشد من الإعلاميين والثقافيين والسياسيين والفنانين... من محافظات مصر ومن السودان واليمن ولبنان... المتعطّش دائمًا للفن والثقافة والإبداع... والذي كانت له صولات وجولات من المداخلات القيّمة والمفيدة... وصولًا إلى محاضرتي يوم السبت: 28 آذار/ مارس 2026، بعنوان "أجسادنا وما تقول" في المركز الكندي للتنمية البشرية بدعوة من الدكتورة أمل عبد المعطي والمهندس إيهاب الجلاد، والتي تناولتُ فيها لغة الجسد ودلالاتها واختلافها بين الدول، ومحاور الكذب والتكتيف والسلام – كان كفيلًا بأن يجعل من هذه التجربة مساحةً أوسع للتأمل في الإنسان… قولًا وصمتًا.
في القاهرة، لا تصل المدينة إليك دفعةً واحدة، بل تتسرّب فيك كما يتسرّب النيل في الذاكرة؛ هادئةً حينًا، وصاخبةً حينًا آخر، لكنها في جميع الأحوال تترك فيك شيئًا يشبه الحنين، حتى وإن كانت تلك زيارتك الأولى.
بدعوة كريمة لحضور "ملتقى الجمعة الثقافية – الثالث" والمشاركة فيه، والذي عُقِد في السابع والعشرين من آذار/ مارس 2026، وجدتُ نفسي أمام تجربة ثقافية لا تُقاس بزمانها ولا بمكانها، بل بما أثارته في داخلي من دفء إنساني وفكري. لم يكن اللقاء مجرّد مناسبة عابرة، بل كان مساحةً مفتوحة للحوار، ونافذةً مشرّعة على أسئلة الثقافة، وهمومها، وأحلامها.
حمل الملتقى عنوان "بوصلة حب"، ولم يكن العنوان ترفًا لغويًّا، بل كان اختزالًا صادقًا لجوهر ما كان. فالحب، في حضرة الكلمة، لم يعد عاطفةً فردية فحسب، بل غدا موقفًا، ورؤية، وانحيازًا إلى الإنسان في أبهى تجلّياته. هناك، في قلب القاهرة، شعرت بأن الحروف تتقارب كما تتقارب القلوب، وأن المسافات بيننا تتلاشى أمام صدق اللقاء.
ما يميّز هذا النوع من الملتقيات، أنه لا يكتفي بعرض الأفكار، بل يخلق حالةً من التواطؤ الجميل بين الحاضرين؛ تواطؤ على الإصغاء، وعلى الاحتفاء بالكلمة، وعلى إعادة الاعتبار للثقافة بوصفها فعل حياة لا ترفًا عابرًا. وجوه متعددة، تجارب مختلفة، لكنها جميعًا التقت عند نقطة واحدة: الإيمان بأن الثقافة قادرة، رغم كل شيء، أن تكون بوصلةً نحو الأجمل.
في تلكما الأمسية والمحاضرة، لم تكن القاهرة مجرّد مدينة تحتضن اللقاء، بل كانت شريكًا خفيًّا فيه؛ بتاريخها، بثقلها الثقافي، وبقدرتها الدائمة على جمع المختلفين تحت سقف واحد. شعرتُ بأنني لا أشارك في ملتقًى فحسب، بل أستعيد شيئًا من معنى العروبة الثقافية التي تتجاوز الحدود، وتلتقي في الكلمة.
عدتُ من هناك وأنا أحمل أكثر من ذكرى؛ أحمل وجوهًا، وأصواتًا، ونقاشاتٍ لا تزال تتردّد في داخلي. لكنني، قبل كل شيء، عدتُ وأنا أكثر يقينًا بأنّ الحب، حين يكون بوصلةً، لا يضلّ الطريق… وأن الثقافة، حين تُروى بصدق، قادرة على أن تجمعنا، مهما تباعدت بنا الأمكنة.




