عكس السير… في مجتمع يسير عكس العقل ("من هنا... وهناك" بقلم وليد حسين الخطيب)


كان من المفترض أن أكتب هذا الأسبوع عن أهمية شهر رمضان، عن الصبر وكظم الغيظ وتهذيب النفس، لكن يبدو أن "الواقع" قرر أن يكتب الحلقة بنفسه، وبأسلوب عملي تطبيقي عند مفترق طرق.
البارحة، وأنا عائد من عملي، وقعت في زحمة سير معتادة. خطّي مكتظ، والاتجاه المعاكس سالك كضمير سياسي قبل الانتخابات. فجأة، اكتشف بعض "عباقرة المرور" أن القانون مجرّد اقتراح أدبي، فقرروا السير عكس السير، مستفيدين من الفراغ في الاتجاه الآخر، ليقفزوا أمام الطابور الطويل من "المغفلين" الذين ما زالوا يؤمنون بأن الدور حق.
قررت أن أرتكب جريمة نكراء: أن ألتزم بمساري. منعت أحدهم من التسلل أمامي، فتابع في محاذاتي، ونظرت إليه قائلًا بهدوء الصائم: "ليس لك حق في أن تسير هكذا، أنت لست أفضل من الباقين".
كان رده فلسفيًّا عميقًا: بصق في وجهي.
في تلك اللحظة، شعرت بأنني أعيش ملخّصًا عن دولة تُكافئ المخالف، وتعاقب الملتزم. لم يكن البصاق إهانة شخصية بقدر ما كان بيانًا سياسيًّا: "القوة لمن يبلطج أكثر".
ولأنني بشر، ولأن الصيام لم يكن قد أنهى دورته التدريبية في داخلي، رددت البصقة بمثلها قائلًا له ما قاله الغضب لا الحكمة: "عليك وعلى اللي خلفّوك". فاشتعل الرجل مهدّدًا، مزبدًا، معرّفًا بنفسه من خلال انتمائه "أنا من قوم كذا"، كأن القانون في هذا البلد يُقاس بالقبيلة لا بالمادة.
هنا كانت مشكلتي الحقيقية. ليس لأنه بصق، ولا لأنه خالف، بل لأنني كنت صائمًا. شعرت بأنني خسرت جولة مع نفسي قبل أن أخسرها معه. راجعت ذاتي، وفتحت له المجال ليمر. أوقف سيارته إلى جانبي، وقال بوقار الواعظ: "أنت قطعت علي الطريق… لكن بما أننا في رمضان، الله يسامحك".
تأملت وجهه، وقلت ما أكرمك! أنت المخالف، وأنا المذنب؛ أنت المعتدي، وأنا المستسمح. هكذا تُكتب العدالة في قاموس "الزعرنة": من يصرخ أعلى يملك الحقيقة، ومن يهدد أكثر يصبح صاحب فضل.
تذكرت المقولة: "لا تصارع الخنزير في الوحل، لأنك ستتسخ أنت ويفرح هو". وأدركت أن المشكلة ليست في الطريق، بل في بيئة الوحل التي نعيش فيها. هذه البيئة التي صار فيها عكس السير وجهة نظر، والبصق حجة، والتسامح مِنّة من المخطئ على المصيب...
أكملت طريقي وأنا أفكر كيف يمكن أن نعيش معًا، ونحن مختلفون حتى في تعريف الخطأ؟ كيف نحتفل بشهر الصوم، ونحن نصوم عن الطعام ونفطر على القانون؟ كيف لمثلي أن يعيش مع مثله؟!
ربما كان الدرس الأهم أن الصيام الحقيقي ليس عن الماء والطعام... بل عن الانزلاق إلى مستوى الوحل. وأن بعض المعارك، مهما بدت مستفزّة، لا تستحقّ أن تخسر نفسك من أجلها.
أما عن أهمية رمضان… فيبدو أن الطريق إليها ما زال مزدحمًا.




