كرة القدم الجامعية الأميركية بين قمة الإثارة وفوضى المال

تعيش كرة القدم الجامعية في الولايات المتحدة واحدة من أكثر مراحلها إثارة على الإطلاق، مع نهائي تاريخي يجمع ميامي وإنديانا، لكنها في الوقت نفسه تغرق في فوضى غير مسبوقة بفعل سوق الانتقالات وصفقات المال، ما يضع مستقبل اللعبة أمام مفترق طرق حاسم.
وفقاً لمصادر بلومبيرغ اليوم , في نهائي بطولة الأدوار الإقصائية لكرة القدم الجامعية، يلتقي فريق ميامي هوريكانز، الغائب عن منصات التتويج الوطنية منذ عام 2001، مع فريق إنديانا هوشيرز، الذي لم يسبق له الفوز باللقب وكان حتى وقت قريب من أضعف فرق مؤتمر «بيغ تن». ونجح الفريقان في إقصاء مدارس عريقة في طريقهما إلى النهائي، بعدما أطاحت ميامي بجامعة ولاية أوهايو، فيما حققت إنديانا فوزًا مدويًا على جامعة ألاباما.
وقد أسهم نظام البطولة الجديد، الذي يمتد شهرًا كاملًا ويضم 12 فريقًا، في رفع منسوب الإثارة والمفاجآت، حيث تجاوز متوسط أسعار تذاكر نهائي 19 كانون الثاني/يناير في ملعب «هارد روك» بميامي غاردنز أربعة آلاف دولار، وهو رقم قياسي في تاريخ نهائيات البطولة. وبحسب متابعين، لم تبلغ كرة القدم الجامعية هذا المستوى من الجاذبية الترفيهية من قبل.
غير أن هذه الصورة المشرقة تخفي وراءها حالة من الاضطراب العميق. فخلال أول أسبوعين من كانون الثاني/يناير، ومع انطلاق الأدوار الإقصائية، سجّل نحو 3 آلاف لاعب أسماءهم في «بوابة الانتقالات» التابعة للرابطة الوطنية للرياضة الجامعية (NCAA)، معلنين استعدادهم للانتقال إلى جامعات أخرى. وباتت هذه البوابة بالنسبة للاعبين فرصة سنوية لتقييم قيمتهم السوقية، بينما تراها الجامعات وسيلة لإعادة بناء فرقها وتحسين مواقعها التنافسية، في مشهد ينتهي فيه بعض اللاعبين بعقود بملايين الدولارات، فيما يفقد آخرون منحهم الدراسية أو أماكنهم في القوائم.
كما يعود هذا التحول الكبير إلى تغييرات جذرية أُقرت عام 2021، حين سمحت الـNCAA للاعبين بالاستفادة المادية من أسمائهم وصورهم وحقوقهم التجارية (NIL)، كما خففت قيود الانتقال بين الجامعات. وسرعان ما تحولت هذه الصفقات إلى أداة «الدفع مقابل اللعب»، مدفوعة بمجموعات تمويل نظمها داعمون أثرياء، ما أدى إلى ارتفاع غير مسبوق في الأجور وتسارع حركة انتقال اللاعبين.
ووفقاً لبلومبيرغ , اكتسب سوق صفقات NIL سمعة «الغرب المتوحش»، في ظل قواعد غير واضحة ووعود مالية لا تُنفذ دائمًا، إذ قُدمت للاعبين عروض بمئات الآلاف وأحيانًا ملايين الدولارات مقابل أنشطة دعائية شكلية، فيما كان الهدف الحقيقي هو الأداء داخل الملعب.
وفي محاولة لضبط هذا الواقع، وافق قاضٍ فيدرالي الصيف الماضي على تسوية تاريخية بين الـNCAA ولاعبين سابقين، تقضي بدفع 2.8 مليار دولار كتعويضات خلال 10 سنوات، وإقرار نظام لتقاسم الإيرادات يسمح للجامعات بتوزيع ما يصل إلى 22% من دخلها الرياضي على اللاعبين الحاليين. وبدءًا من العام الدراسي 2025-2026، سيبلغ هذا المبلغ نحو 20.5 مليون دولار لكل جامعة.
وفي المقابل، حصلت الجامعات على صلاحيات لتقييد فوضى صفقات NIL عبر إنشاء هيئة رقابية جديدة تُعرف بـ«لجنة الرياضات الجامعية» (CSC) ومنصة «NIL Go»، التي تراجع جميع العقود للتأكد من مشروعيتها التجارية وقيمتها العادلة.
ورغم هذه الإجراءات، تشير المؤشرات إلى أن التغيير لا يزال محدودًا. فحركة الانتقالات مستمرة، وإن بوتيرة أقل من العام الماضي، فيما لا تزال الأموال تتدفق مع تجاوز الطلب على المواهب حدود سقف تقاسم الإيرادات. ووفق بيانات رسمية، جرى اعتماد أكثر من 17 ألف صفقة NIL بقيمة 127 مليون دولار منذ تطبيق القواعد الجديدة، مقابل رفض مئات الصفقات الأخرى، وفقاً لبلومبيرغ.
بالاضافة , يؤكد وكلاء اللاعبين أن الجامعات باتت تعتمد حزمًا مالية «هجينة»، تجمع بين الأموال المباشرة من تقاسم الإيرادات وتمويل الأطراف الخارجية، في محاولة للالتفاف على السقوف المفروضة. ويجسّد ذلك لاعب الوسط بريندان سورسبي، الذي حصل في نهاية المطاف على صفقة تتجاوز 5 ملايين دولار مع جامعة تكساس تيك، نصفها تقريبًا من الجامعة نفسها.
ختاماً وبينما تستقطب كرة القدم الجامعية اهتمامًا جماهيريًا غير مسبوق، يبقى السؤال مطروحًا حول قدرة هذه الإصلاحات على تحقيق توازن حقيقي بين الإثارة الرياضية والاستقرار المالي، في لعبة باتت أكثر ربحًا… وأكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.




