Contact Us
Ektisadi.com
مقالات

بين المطمرين (بقلم وليد الخطيب)

مطمر نفايات

من هنا… مطمر خلدة، ومن هناك… مطمر الناعمة؛ وبينهما ضرر وفساد يبغيان، ونحن لا نعرف إن كنّا نسكن جغرافيا أم نقيم في هامش قرار.

في زمنٍ غير بعيد، قرّرت حكومة لبنانية، بكثير من "اللاحكمة" وقليل من العقل، أن تفتح مطمرًا للنفايات في خلدة، بعدما سبق لها أن فتحت مطمرًا في الناعمة حتى امتلأ عن بكرة أبيه، لا بالنفايات فقط، بل بالأمراض والروائح والخذلان. وحين ضاق المطمر بما رحب، لم يُبحث عن حلّ مستدام، بل عن رقعة جديدة تُلصق على جسدٍ متأكّل.

نحن القاطنين بين المطمرين نعيش اختبار الريح اليومي: إن هبّت من الشمال جاءنا نصيبنا من مطمر خلدة، وإن هبّت من الجنوب جاءنا من مطمر خلدة بما ادّخرته.

هكذا صرنا بين ريحين لا تحملان بشرى، بل "هواءً سمومًا" يذكّرنا بأننا خارج حسابات الصحة والكرامة.

ولأن الكارثة لا تكتمل إلا بزينة، فقد قرّرت الدولة أن "تكافئنا" بإعفائنا من فواتير الكهرباء. يا لكرمٍ بلا منفعة!

كهرباء لا نراها إلا لمامًا - علمًا أنّ مناطق كثيرة في لبنان يتراوح معدل التغذية بالكهرباء فيها بين 8 ساعات وذ2 ساعة - وإذا حضرت كانت أضعف من ضوء الشمعة، سرعان ما تنطفئ أو تتعطّل. إعفاءٌ من فاتورة خدمة غير موجودة أصلًا. أليس هذا قمّة الابتكار الإداري؟!

قيل قديمًا: "شرّ البليّة ما يُضحك"، ونحن نضحك كي لا نختنق، حرفيًّا.

أما في السياسة، فالحال أصدق من الكلام في الفساد وتنافس المسؤولين على سرقة الأموال العامة، وأموال الناس، حيث إن كل زعيم له حصته من الصفقات في المرافق العامة، ومن ضمنها صفقات في تلزيم شركات معيّنة لرفع النفايات ومعالجتها، وقد قال الكاتب البرازيلي الشهير باولو كويلو ساخرًا: «لا تسرق، فالحكومة تكره من ينافسها»، وهو قول صحيح يلخّص مشهدًا لبنانيًّا بامتياز، حيث الفساد منظّم، والهدر سياسة، والمواطن تفصيل زائد، وإذا سرق فالويل والثبور وعظائم الأمور...

المؤلم ليس مسألة المطمرين وحدهما، بل العقول التي ما زالت تسير خلف زعماء من دون سؤال أو فهم، كأن التجربة لم تكفِ، وكأن الروائح لم تكن دليلًا كافيًا.

نحن بين مطمرين، نعم، لكننا أيضًا بين خيارين:

إما أن نبقى نحسب اتجاه الريح، أو نقرّر، ولو مرة واحدة، أن نغيّر اتجاه البلد.