ما بيننا أكبر من الفراق (سلسلة "حبر ناعم" بقلم فدى الحاج)


لم يكن ما بيننا حبًّا عابرًا، ولا إعجابًا صنعته لحظة انجذاب. كان شيئًا أعمق من أن تفسّره الكلمات. كنت أجد في أفكارك أجزاءً مني لم أكن أعرف كيف أعبّر عنها، وكنت ترى في صمتي ما يعجز الآخرون عن فهمه في ألف حديث.
لم نكن نحتاج دائمًا إلى أن نتفق، بل كان يكفينا أن نفهم كيف يفكّر كلٌّ منا، ولماذا يشعر، وكيف يرى العالم من زاويته الخاصة. كنتَ تختلف عني، ومع ذلك كنتَ أقرب إليّ من كلّ الذين يشبهونني، لأنني لم أجد فيك شخصًا يوافقني على كلّ شيء، بل شخصًا يدفعني إلى إعادة النظر في أشياء كنت أظنّ أنني أفهمها جيدًا.
قبل لقائنا، كنت أرى العالم مجموعة من الحقائق التي يمكن تفسيرها، والناس شخصيات يمكن فهمها إذا امتلكت ما يكفي من الوقت والملاحظة. كنت أؤمن بأن لكلّ شيء سببًا، ولكلّ تصرّف دافعًا، وأن الغموض ليس سوى نقص في المعلومات. لكنني لم أكن أعرف أن هناك أشخاصًا لا يغيّرون مشاعرنا فحسب، بل يغيّرون الطريقة التي نفكّر بها، ونفهم بها أنفسنا، وننظر من خلالها إلى العالم.
لم تكن كثير الكلام، ولم تكن بحاجة إلى لفت الانتباه كي يشعر الآخرون بوجودك. كنت تملك تلك الثقة الهادئة التي لا تحتاج إلى إثبات، وكنت تُصغي أكثر مما تتحدّث، ثم تقول جملة واحدة كفيلة بأن تجعلني أعيد التفكير في حديث كامل. لم يكن ما يجذبني إليك هو اتفاقنا، بل قدرتك على أن تريني ما لم أكن أراه، وأن تضع أمامي أسئلة لم تخطر لي من قبل.
ومع مرور الوقت، أدركت أن ما يجمعنا لم يكن مجرّد تشابه في الأفكار، بل قدرة كلٍّ منا على الوصول إلى ما وراء أفكار الآخر، وفهم ما لم يُقَل، والاختلاف دون أن نفقد قدرتنا على الإصغاء، وإيجاد مساحة في الحوار نكون فيها على حقيقتنا، دون حاجة إلى التبرير أو التظاهر.
لم أخف من غيابك بقدر ما خشيت أن يأتي يوم أفكّر فيه بشيء، فلا أجدك الشخص الذي أتخيّل كيف سيراه، أو أن أمرّ بتجربة تغيّر شيئًا في داخلي، فلا أجد ذلك الحوار الذي كان يساعدني على فهم ما أشعر به. لم أخشَ أن أنساك بقدر ما خشيت أن أفقد ذلك الجزء من نفسي الذي اكتشفته حين عرفتك.
ومع ذلك، أدركت أن بعض العلاقات لا تنتهي تمامًا حين تنتهي، لأن أثرها لا يبقى في الذاكرة وحدها، بل يمتدّ إلى الطريقة التي نفكّر بها، والأسئلة التي نطرحها، وحتى الإجابات التي نغيّرها بعدما نتعلّم رؤية الأشياء من منظور مختلف.
فما بيننا لم يكن مجرّد حبّ كي ينتهي بالرحيل؛ كان عالمًا كاملًا بنيناه معًا، فكيف للفراق أن يهدم ما لم تكن المسافة يومًا قادرة على الوصول إليه؟
ربما نستطيع أن نغادر حياة بعضنا، لكننا لا نستطيع دائمًا أن نغادر الطريقة التي غيّرنا بها بعضنا بعضًا. ولهذا، كان ما بيننا أكبر من الفراق.




