Contact Us
Ektisadi.com
أدب

خارج قائمة الأصدقاء (سلسلة "حبر ناعم" بقلم فدى الحاج)

فدى الحاج
8 أكتوبر 2026 | 01:46 م
شاب وفتاة يراقبون غروب الشمس لكن كل في حاله - سنيب

لم يكن يبحث عنها في البداية.

كان اسمها قد مرّ أمامه ذات يوم في حديث عابر بين مجموعة من الأصدقاء، ثم اختفى كما تختفي أسماء كثيرة لا نظن أننا سنحتاج إلى تذكّرها. لكنه، لسبب لم يفهمه، ظل يتذكر ذلك الاسم.

بدأ يسأل عنها بهدوء. عرف أنها تعمل في مجال مختلف قليلًا عن مجاله، وأن الوصول إليها لم يكن سهلًا. وكلما عرف شيئًا، ازداد فضوله.

وبعد فترة طويلة، وجد طريقًا إليها. هذه المرة، كان يبحث عن شخص يساعده في تطوير إحدى التقنيات التي كانت ضمن اختصاصها، فوجدها.

ومن هنا بدأت القصة:

لم يكن الحوار الأول استثنائيًا؛ بدأ بتحية عادية، ثم نطق اسمًا يشبه اسمها، وكأنه أخطأ في لفظه.

صححت له الاسم ببساطة، وعرّفته باسمها الحقيقي.

لم تكن تعلم أنه لم يخطئ.

ومن تلك اللحظة، بدأت الأحاديث تأخذ وقتًا أطول مما كان مخططًا لها. حديث يتبع حديثًا، وسؤال يفتح بابًا لسؤال آخر، إلى أن أصبح التواصل بينهما شيئًا طبيعيًا لا يحتاج إلى سبب.

ثم جاء ذلك النوع من القرب الذي لا ينتبه أحد إلى بدايته.

كان بينهما شيء يصعب وصفه. لم يكن مجرد إعجاب عابر، بل علاقة جعلتهما يشعران أن العالم، رغم اتساعه، ترك لهما مساحة صغيرة تخصهما وحدهما.

صارت تعرف تفاصيل يومه، ويعرف ما يكفي من تفاصيل أيامها ليشعر أنها لم تعد شخصًا عابرًا في حياته. كانا يتحدثان عن أشياء كثيرة، بعضها مهم، وبعضها لا أهمية له على الإطلاق، لكنهما كانا يجدان في الحديث نفسه سببًا للبقاء قريبين.

لم ينتبها إلى اللحظة التي تحوّل فيها القرب إلى حب.

لم يأتِ الحب بينهما معلنًا، بل تسلل إلى تفاصيلهما حتى أصبحا يكتشفان قيمته في كل مرة كان أحدهما يغيب فيها عن الآخر.

ومع الأيام، أصبح لكل منهما مكان واضح في حياة الآخر. لم تعد الأسئلة عن اليوم مجرد فضول، ولا الاطمئنان مجرد عادة. أصبح هناك انتظار، واهتمام، وقلق صغير حين يطول الغياب.

ثم بدأت الأشياء التي لا يلاحظها أحد في البداية.

صار يفتقد صوتها في الأيام الطويلة، وصارت هي تبحث عن حضوره في التفاصيل التي كانت تمرّ عليها من دون اهتمام. أصبح لكل كلمة بينهما معنى إضافي، ولكل صمت تفسير، ولكل غياب أثر.

ومع الوقت، لم تعد العلاقة مجرد مساحة جميلة في حياتهما اليومية، بل أصبحت جزءًا من حياتهما.

لكن الحياة لا تسير دائمًا بالطريقة التي نتخيلها.

بدأت بعض التفاصيل تتغير. ضغوط، اختلافات، ظروف لم تكن في الحسبان. لم يكن هناك خطأ واحد يمكن الإشارة إليه والقول: "من هنا انتهى كل شيء".

بل كانت هناك أشياء صغيرة تلعب دورها دون أن ينتبها إليها.

تأخر في الرد هنا، وسوء فهم هناك، وكلمة قيلت في لحظة غضب، ومسافة بدأت تكبر بينهما دون أن يشعر أيٌّ منهما بها.

كان كلٌّ منهما يظن أن الحب الذي جمعهما سيكون كافيًا لإصلاح كل شيء.

لكن الحب، كالورود، يموت حين يعطش إلى الماء.

لم ينتهِ حبهما فجأة، بل ذبل شيئًا فشيئًا؛ صمتٌ طال، ومسافات اتسعت، وكلماتٌ لم تُقل في وقتها.

وحين أدركا ما يحدث، كان كل شيء قد أصبح أبعد من أن يُصلح.

افترقا، وبقيت الذكريات وحدها تعرف كم كانا قريبين.

ومرت الأيام، حتى فتح قائمة أصدقائه ذات مرة، وبحث عن اسمها، فوجدها في آخر القائمة. تأمل اسمها طويلًا، ابتسم بحزن، وأغلق هاتفه.

لم يكن يعلم أن بعض النهايات لا تحتاج إلى كلمة وداع...

يكفي أن يتحول شخص كان يومًا أقرب الناس إلى قلبك إلى اسم تراه أمامك، ولا تملك حق الوصول إليه.

وبعد كل ما عاشه من حب، لم يعد يؤلمه أنها أصبحت بعيدة، بقدر ما آلمه أنه أصبح غريبًا عن المكان الذي كان يمتلكه يومًا.

فبعض القصص لا تنتهي حين يفترق أصحابها.

بل حين يصبح أحدهما خارج قائمة أصدقاء الآخر.