Contact Us
Ektisadi.com
أدب

حين يبكي الياسمين (سلسلة "حبر ناعم" بقلم فدى الحاج)

فدى الحاج
1 أكتوبر 2026 | 05:41 ص
عناق شاب وفتاة على قارعة طريق تزينه الوورد مياه المطر

لم يكن اللقاء الأول بينهما يشبه اللقاءات التي تُروى في الحكايات. لم تتوقف السماء عن المطر، ولم تعزف الرياح موسيقى الحنين، ولم تتساقط النجوم من فوقهما كما يحدث في القصص التي يكتبها العاشقون بعد أن تنتهي حكاياتهم.

كان كل شيء عاديًا إلى حد ما: مساء هادئ، شارع شبه خالٍ، ورائحة ياسمين تتسلل من حديقة قديمة، تحملها الريح وتمر بها على ذلك الرصيف الذي شهد لقاءهما الأول.

كانت نظرة واحدة كافية ليشعر كل واحد منهما بأنه يعرف الآخر منذ زمن بعيد، زمن لم يكن لهما فيه وجود. كان في تلك النظرة حنين إلى حياة لم يعيشاها، أو ربما حب لم يبدأ بعد.

ومنذ تلك اللحظة، بدأت الحكاية.

لم يكن حبهما سهلًا. كان من ذلك النوع الذي يأتي في الوقت الخطأ، حين تكون الحياة قد رتبت أبوابها بأقفال لا مفاتيح لها.

لكن كيف يمكن للقلب أن يختار النجاة، حين يكون الغرق هو الشيء الوحيد الذي يشعره بالحياة؟

كانا يعرفان أن هذا الحب ليس كسائر القصص التي مرّا بها. لم يكن حبًا يكتفي برسالة في آخر الليل، أو لقاء عابر في مقهى أو خلف أضواء المدينة. كان شيئًا أثقل بكثير: شيئًا يتسلل إلى الروح حتى يصبح الفراق عنه أشبه بانتزاع جزء منها.

ولهذا حاولا الهرب منه. كانا يقنعان نفسيهما بأن بعض المشاعر يجب أن تُقتل قبل أن تكبر، وأن بعض الأبواب من الحكمة ألّا تُفتح، وأن الإنسان يستطيع أن ينسى إذا أقنع قلبه بما يكفي بأنه لم يحب أصلًا.

لكن القلب كان يرفض الإصغاء إلى الكذب.

كلما ابتعد أحدهما عن الآخر، كانت الأشياء الصغيرة تعيده إليه. أغنية سمعاها ذات مساء، ومقعد خشبي جلسا عليه طويلًا دون أن يقولا شيئًا، ورائحة القهوة في صباح شتوي. وحتى الياسمين الذي كان يتدلى من جدار الحديقة، صار يحمل وجهًا لا يستطيع أحدهما نسيانه.

ومع كل محاولة للابتعاد، كان شيء صغير يعيدهما إلى نقطة اللقاء الأول: أغنية، ورائحة القهوة، ومقعد خشبي خالٍ من العشاق، أو زهرة ياسمين عالقة على جدار بين رصيفين.

كان الخوف أقوى من الاعتراف بينهما، إلى أن جاء ذلك المساء، حين قالت: "لو التقينا في زمن آخر، هل كنت ستختارني؟"

نظر إليها طويلًا وقال: "كنت سأختارك في كل الأزمنة... إلا هذا."

عندها سقطت زهرة الياسمين بينهما، كأنها فصل جاء بالخريف قبل أوانه، وتناثرت في الهواء لتسقط كالدموع على خد ذلك الحب المبتور.

فكان ذلك كافيًا ليدرك كل منهما أن الحب لا يحتاج دائمًا إلى نهاية مأساوية كي يكون مستحيلًا. أحيانًا يكفي أن يأتي شخصان صادقان إلى حياة بعضهما، بينما يقف كل شيء آخر في الجهة المقابلة.

وفي النهاية، لعب القدر دوره باحتراف، ليترك قلبين يبحثان عما كان يمكن أن يكون.