صعود الين يعيد مخاطر تجارة الفائدة إلى الواجهة ويهدد الأسهم العالمية

أعاد الصعود السريع للين إلى الواجهة مخاطر تفكيك صفقات تجارة الفائدة، مع تنامي المخاوف من أن يؤدي استمرار ارتفاع العملة اليابانية إلى موجة بيع في الأسهم العالمية، ولا سيما أسهم التكنولوجيا والأصول ذات التقييمات المرتفعة، بحسب بلومبيرغ.
ويعتمد المستثمرون منذ سنوات على أسعار الفائدة المنخفضة في اليابان للاقتراض بالين بتكلفة رخيصة واستثمار الأموال في أصول ذات عوائد أعلى، مثل الأسهم الأميركية وأسواق الاقتصادات الناشئة. وتنجح هذه الاستراتيجية عندما يبقى الين ضعيفاً، لكن ارتفاعه الحاد يزيد تكلفة سداد القروض، ما قد يدفع المستثمرين إلى بيع أصول أخرى لتوفير السيولة.
وارتفع الين بنحو 3% أمام الدولار هذا الشهر، مسجلاً أقوى مستوى له منذ شباط/فبراير، وسط توقعات بأن يسرّع بنك اليابان وتيرة رفع أسعار الفائدة، إلى جانب ضغوط من وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت من أجل تعزيز قيمة العملة اليابانية. وأدى هذا التحرك السريع إلى مخاوف من أن يكون بعض المستثمرين قد بدأوا بالفعل في إغلاق مراكزهم التي تراهن على ضعف الين وتقليص رهاناتهم الممولة بالاقتراض في أسواق أخرى.
وقال أندريا غابيلوني، رئيس قسم الأسهم العالمية لدى «كي بي سي سيكيوريتيز»، إن الين يمثل حالياً أحد أبرز المؤشرات التي يراقبها المستثمرون كإشارة تحذيرية للأسهم العالمية، مشيراً إلى أن المراكز المضاربية لا تزال مرتفعة. وأضاف أن أسهم التكنولوجيا قد تكون الأكثر عرضة للخطر، فيما تضررت العملات المشفرة تاريخياً من مثل هذه التحركات.
وتجاوز الين مستوى 155 يناً مقابل الدولار هذا الأسبوع، قبل أن يصل إلى 152.89 يناً للدولار يوم الثلاثاء، وهو أقوى مستوى له منذ سبعة أشهر. ويتداول الين حالياً قرب مستوى 154 يناً للدولار، بينما تراهن صناديق التحوط على تراجع الدولار إلى أقل من 150 يناً بحلول نهاية العام، مع استهداف بعض الخيارات طويلة الأجل مستوى 140 يناً للدولار، أي نحو 0.91 دولار لكل 140 يناً.
وتزيد هذه التحركات مخاطر الأسواق العالمية، إذ إن تسارع تفكيك صفقات تجارة الفائدة قد يجبر الصناديق على بيع أكثر أصولها سيولة وربحية لجمع الأموال، ما يضع أسهم التكنولوجيا التي قادت مكاسب الأسواق هذا العام وغيرها من أسهم النمو المرتفعة أمام ضغوط إضافية.
وقال ديلين وو، الاستراتيجي لدى «بيبرستون»، إن أسهم النمو العالمية ذات الحساسية العالية للسوق والتقييمات المرتفعة تميل إلى التعرض لأكبر الخسائر، باعتبارها من الأصول التي تم تمويلها بدرجة كبيرة بالاقتراض الرخيص بالين، مضيفاً أن أسهم الأسواق الناشئة وأسهم التكنولوجيا الأميركية مرتفعة التقييم تستحق مراقبة خاصة إذا تسارعت عمليات التفكيك.
وقد تمتد التداعيات إلى أسهم لا تعتمد مباشرة على تمويل بالين. وقال روي ليم، متداول مبيعات الأسهم لدى «سامسونغ سيكيوريتيز»، إنه لم ير أدلة كثيرة على رهانات ممولة بالين على شركات الرقائق الكورية الجنوبية، لكنه أشار إلى أنها قد تتأثر أيضاً بموجة أوسع من خفض الرافعة المالية.
وفي اليابان، ينعكس ارتفاع الين على أرباح الشركات، خصوصاً المصدّرين الذين يحققون جزءاً كبيراً من إيراداتهم في الخارج. وتنخفض قيمة هذه الإيرادات عند تحويلها إلى الين، ما يضع شركات صناعة السيارات وشركات التكنولوجيا الكبرى المعتمدة على التصدير أمام ضغوط على الأرباح.
وقال ديفيد كليويل، المدير المشارك لمحفظة استراتيجية الدخل العالمي متعددة الأصول لدى «تي. رو برايس»، إن مستوى 152 يناً للدولار يمثل نقطة رئيسية للمراقبة، لأنه يتوافق تقريباً مع سعر الصرف الذي تعتمد عليه الشركات في توجيهاتها المالية. وأضاف أن تجاوز الين هذه المستويات قد يؤدي إلى استقرار نمو الأرباح اليابانية خلال الأشهر الـ12 المقبلة أو تحوله إلى تراجع.
وتعيد التطورات إلى الأذهان اضطرابات عام 2024، عندما أدى رفع بنك اليابان أسعار الفائدة وصدور بيانات ضعيفة عن الوظائف الأميركية إلى دفع المستثمرين الذين يستخدمون الرافعة المالية إلى إغلاق مراكزهم الممولة بالين بسرعة، ما أحدث موجة صدمة في الأسواق العالمية. وتراجع مؤشر نيكاي 12% في جلسة واحدة، في أكبر انخفاض له منذ عام 1987، كما هبط مؤشر ناسداك وبيتكوين.
وقال فاسو مينون، المدير الإداري لاستراتيجية الاستثمار لدى «أو سي بي سي بنك» في سنغافورة، إن ارتفاع الين بشكل كبير وغير منظم خلال فترة قصيرة، على غرار ما حدث في 2024، قد يرفع مخاطر حدوث عمليات بيع واسعة في أسواق الأسهم.
لكن الظروف الحالية تختلف عن عام 2024، إذ أصبح المستثمرون أكثر استعداداً لتشديد السياسة النقدية من جانب بنك اليابان، بينما أصبحت الأسواق تسعّر إلى حد كبير رفعاً للفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في اجتماع 17 و18 أيلول/سبتمبر. كما أن ارتفاع الين كان أكثر انتظاماً حتى الآن، ما يقلل خطر حدوث موجة اضطرارية لجمع السيولة.
وتغيرت أيضاً أساسيات تجارة الفائدة، إذ يبلغ سعر الفائدة الرئيسي لبنك اليابان حالياً 1%، مقارنة بـ0.25% في عام 2024، بينما خفض الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة منذ ذلك الحين، ما قلص ميزة الاقتراض بالين للاستثمار في الأصول المقومة بالدولار.
ويصعب تحديد الحجم الدقيق لتجارة الفائدة، لكن التقديرات تشير إلى أنها بدأت في التراجع تدريجياً. وبلغت قروض وودائع الين المقدمة إلى مقترضين من المؤسسات غير المصرفية في الخارج، وهي أحد المؤشرات على نشاط هذه التجارة، نحو 42 تريليون ين (نحو 273 مليار دولار) في الربع الأول، انخفاضاً من مستوى قياسي بلغ 45.7 تريليون ين (نحو 297 مليار دولار) في أواخر عام 2024، لكنه يقارب ضعف مستواه قبل عقد، وفق بيانات بنك التسويات الدولية.
ويمكن لهذه المراكز أن تعود إلى الارتفاع بسرعة، إذ خفضت صناديق التحوط تقريباً إلى النصف صافي مراكزها المدينة بالين بعد التدخل الأميركي-الياباني المشترك في أواخر تموز/يوليو، قبل أن تعيدها إلى مستويات تقترب من تلك المسجلة قبل التدخل.
ويتوقف الكثير الآن على الإشارات التي سيبعث بها محافظ بنك اليابان كازو أويدا بشأن مسار أسعار الفائدة. وقد لمح مسؤولون في البنك إلى استعدادهم لرفع الفائدة بوتيرة أسرع من مرة كل ستة أشهر، مع رغبتهم في الاحتفاظ بمرونة بشأن المسار المستقبلي للسياسة النقدية، بحسب بلومبيرغ.




