أزمات السلامة والخسائر تضغط على طفرة قطاع الطيران في الهند

قبل عام، وصف رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي قطاع الطيران بأنه رمز للهند الصاعدة والمستعدة لـ"التحليق إلى آفاق عالية"، لكن سلسلة من الأزمات التي ضربت شركتي "Air India" و"IndiGo" وضعت هذه الطموحات أمام اختبار صعب، وكشفت عن تحديات تتعلق بالسلامة والرقابة والمنافسة في ثالث أكبر سوق للطيران الداخلي في العالم، وفق وكالة "فرانس برس"، الأحد.
وتفاقمت الضغوط بفعل التوترات الجيوسياسية التي أثرت في أرباح شركات الطيران وأجبرتها على إعادة تقييم خطط التوسع، في وقت تبرز فيه محدودية المنافسة، إذ تستحوذ "Air India" و"IndiGo" معاً على تسعة من كل عشرة مقاعد في الرحلات الداخلية.
وقال مارك مارتن من شركة "Martin Consulting" إن عامي 2025 و2026 كانا من أصعب الأعوام بالنسبة إلى سمعة قطاع الطيران الهندي ومصداقيته على المستوى العالمي.
حوادث تضع السلامة تحت المجهر
وجاءت أحدث الضربات في وقت سابق من آب/أغسطس، عندما هبطت طائرة تابعة لـ"Air India"، كانت متجهة من جزيرة بوكيت التايلاندية إلى نيودلهي، بشكل مفاجئ بنحو 300 قدم، أي ما يعادل نحو 91 متراً، أثناء الرحلة، ما أدى إلى إصابة 24 راكباً.
وأثار الحادث مزيداً من التدقيق بعد تقارير أفادت بأن نتيجة فحص قائد الطائرة للكشف عن الماريجوانا جاءت إيجابية عقب الهبوط، ما دفع "Air India" إلى إصدار أمر بإجراء فحص مخدرات لمرة واحدة لجميع طياريها. ومن المتوقع صدور النتائج الأولية للتحقيق في الحادث خلال الأسابيع المقبلة.
ويأتي ذلك في وقت لا تزال فيه الشركة تحت التدقيق منذ تحطم طائرة "بوينغ 787 دريملاينر" تابعة لها كانت متجهة إلى لندن العام الماضي، في حادث أسفر عن مقتل 241 شخصاً.
وكشف تدقيق منفصل في "Air India" عن نحو 100 مخالفة تتعلق بالسلامة، بينها سبع مخالفات تستدعي "إجراءات تصحيحية عاجلة"، إلى جانب ثغرات متكررة في تدريب طياري طائرات "بوينغ 787" و"بوينغ 777"، وفق تقرير صادر عن لجنة برلمانية.
ووصف شاكتي لومبا، المسؤول السابق عن عمليات شركات الطيران، ثقافة السلامة في "Air India" بأنها "متراخية"، قائلاً إن الحديث عن السلامة وحده لا يكفي لبناء ثقافة فعلية تضمن تطبيق معاييرها.
كما اعتبر المدير التنفيذي السابق في "Air India" جيتندر بهارغافا أن قضية المخدرات المبلغ عنها تثير تساؤلات بشأن الرقابة الإدارية داخل الشركة.
ولم ترد "Air India" و"IndiGo" على طلب وكالة "فرانس برس" للتعليق على هذه المسائل.
خسائر تقترب من 4 مليارات دولار
وتتزامن المخاوف المتعلقة بالسلامة مع ضغوط مالية متزايدة على شركات الطيران الهندية، بعدما أدى إغلاق المجال الجوي الباكستاني منذ تصاعد التوتر بين نيودلهي وإسلام آباد العام الماضي إلى اضطرار الشركات لاستخدام مسارات أطول وأكثر تكلفة.
كما أدى ارتفاع أسعار وقود الطائرات المرتبط بالحرب في الشرق الأوسط إلى زيادة الضغوط على تكاليف التشغيل.
وقدرت وكالة التصنيف الائتماني "ICRA" أن تسجل شركات الطيران الهندية خسائر تقارب 4 مليارات دولار خلال السنة المالية الحالية.
وتضاعفت خسائر "Air India" بأكثر من مرتين خلال السنة المالية الماضية لتصل إلى 2.3 مليار دولار، فيما سجلت "IndiGo" خسائر خلال ربعين متتاليين، وفق "فرانس برس".
وبدأت الضغوط تنعكس على خطط التوسع، إذ أوقفت "IndiGo" الشهر الماضي عملياتها باستخدام الطائرات عريضة البدن، فيما تدرس "Air India"، بحسب تقارير، تأجيل تسلم ما يصل إلى 500 طائرة.
نمو سريع يفوق قدرة القطاع
وتشكل التطورات تحولاً لقطاع طالما عُد أحد أبرز قصص النمو الاقتصادي في الهند، إذ نقلت شركات الطيران الهندية نحو 167 مليون مسافر خلال العام الماضي، أي أكثر من ضعف العدد المسجل قبل عقد.
كما أضيف أكثر من 70 مطاراً إلى شبكة الطيران الهندية خلال السنوات العشر الماضية، في حين طلبت شركات الطيران نحو 1,500 طائرة جديدة.
وقال رئيس شركة "Starair Consulting" هارش فاردهان إن المشكلة لا تكمن في نقص النمو، بل في عدم قدرة بقية مكونات منظومة الطيران على مواكبة هذا التوسع وإدارته بكفاءة.
هيمنة شركتين وتحديات أمام الرقابة
وبرزت هذه المشكلات بصورة واضحة العام الماضي عندما ألغت "IndiGo" أعداداً كبيرة من الرحلات بعدما أخفقت في الاستعداد لقواعد جديدة تتعلق بإرهاق الطيارين وفترات الراحة.
وقال خبراء في القطاع إن التعليق المؤقت لبعض القواعد الجديدة الخاصة بالراحة كشف عن مشكلة أوسع في أداء الجهات الرقابية.
وانتقد لومبا المديرية العامة للطيران المدني الهندية "DGCA"، معتبراً أنها تتصرف في بعض الأحيان باعتبارها جهة مسهلة للقطاع أكثر من كونها جهة رقابية.
وتزيد هيمنة "Air India" و"IndiGo" من تعقيد مهمة الجهة المنظمة، بعدما انهارت أو بيعت سبع شركات طيران رئيسية خلال العقدين الماضيين، ما جعل فرض إجراءات صارمة على الشركتين المهيمنتين أكثر صعوبة.
وكانت الحكومة الهندية قد قالت العام الماضي إن البلاد تحتاج إلى "خمس شركات طيران كبيرة"، فيما وافقت الجهات التنظيمية منذ ذلك الحين على خطط لإطلاق شركتي طيران جديدتين.
كما تدرس الحكومة مقترحاً لتخفيف القواعد التي تمنع مشغلي المطارات من امتلاك شركات طيران، وهو ما قد يفتح المجال أمام مجموعات اقتصادية كبرى مثل "Adani Group" لدخول القطاع.
لكن فاردهان حذر من أن جذب مستثمرين جدد وحده لن يكون كافياً لمعالجة المشكلات الهيكلية، مشيراً إلى أن ارتفاع هيكل التكاليف كان دائماً أحد الأسباب الرئيسية التي حالت دون نجاح شركات جديدة في اختراق السوق.
واعتبر أن هذه المفارقة تلخص التحدي الذي يواجه طموحات الهند في مجال الطيران، إذ يُنظر إلى القطاع من جهة باعتباره قطاعاً واعداً وسريع النمو، بينما تستنزف تكاليفه المرتفعة ربحيته من جهة أخرى.




