Contact Us
Ektisadi.com
إعلام وفنون

أزمة الموارد تصنع "التحوّل غير المرئي": حيدر عبدالله الحسيني ونموذج لبناني جديد لتبني الذكاء الاصطناعي في الصحافة الاقتصادية

4 يوليو 2026 | 11:14 م
حيدر عبدالله الحسيني مؤتمر ميديل 2026 -2

شهد اليوم الختامي للمؤتمر الدولي الرابع للصحافة الرقمية وصناعة الإعلام الابتكارية "MIDIL 2026"، يوم السبت في بيروت، تقديم ورقة بحثية لافتة قدّمها الدكتور حيدر عبدالله الحسيني تحت عنوان "الذكاء الاصطناعي في الصحافة الاقتصادية اللبنانية"، مسلّطاً الضوء على واقع غاية في التعقيد، مبرزاً كيف تحولت هذه التكنولوجيا في غرف الأخبار اللبنانية من "رفاهية تقنية" إلى "أداة حتمية للبقاء" في ظل أزمات اقتصادية طاحنة عصفت بالقطاع الإعلامي.

وفي كلمة ألقاها في المؤتمر الدولي الذي نظمته جامعة المعارف، والتي من المتوقع أن تحظى باهتمام الأكاديميين والإعلاميين والباحثين في علوم الإعلام والاتصال، أطلق الدكتور الحسيني نموذجاً تفسيرياً جديداً أسماه "نموذج تبنّي الذكاء الاصطناعي المدفوع بالأزمات" (Crisis-Driven AI Adoption Model)، مبيّناً من خلال أرقام ودراسة ميدانية دقيقة كيف يُعاد تشكيل هوية الصحافة الاقتصادية في لبنان بفعل التكنولوجيا وضغط الحاجة.

نخبة من صناع القرار: عيّنة وازنة تعكس عمق التجربة

استندت الدراسة العلمية التي عرضها الدكتور الحسيني إلى منهجية بحثية رصينة استهدفت عينة من النخبة بلغت 12 مشاركاً من أبرز الصحافيين الاقتصاديين في لبنان، مسجلةً نسبة استجابة مرتفعة جداً وصلت إلى 80%. وما يمنح هذه النتائج وزناً مهنياً ثقيلاً هو أن أكثر من 75% من أفراد العينة يشغلون مناصب قيادية عليا (رؤساء تحرير، مديرو تحرير أو رؤساء أقسام اقتصادية)، وتتراوح خبراتهم الميدانية بين 11 وأكثر من 20 عاماً في مؤسسات إعلامية مرموقة ومتنوعة تشمل الصحافة الورقية، المنصات الرقمية ووكالات الأنباء.

الأرقام تتحدث: نسب استخدام قياسية مدفوعة بالواقع المرير

كشف العرض التوضيحي للكلمة عن أرقام صادمة تعكس مدى توغل الآلة في العمل الصحافي اليومي، إذ تبيّن أن نسبة "الاستخدام المنتظم" للذكاء الاصطناعي بين الصحافيين المستطلعين بلغت 83.3%. وعلى صعيد التكرار، أفادت الأغلبية الساحقة (66.7%) بأنها تستخدم هذه الأدوات "عدة مرات في الأسبوع"، بينما يعتمد عليها 25% بشكل "يومي".

وعلّق الدكتور الحسيني على هذه البيانات قائلاً: "إن هذا التبني بات متجذراً بعمق في تدفق العمل اليومي. إذ لم يعد الأمر يتعلق بمواكبة الموضة التقنية أو الترف الفكري، بل هو وسيلة دفاعية صلبة لمواجهة واقع تقلص غرف الأخبار والنقص الحاد في الموارد البشرية".

وعن الأدوات الأكثر تفضيلاً في الميدان الاقتصادي اللبناني، أظهرت البيانات هيمنة واضحة لمنصة تشات جي بي تي (ChatGPT) بنسبة 58.3%، تليها أدوات البحث الفوري وتدقيق البيانات في الوقت الحقيقي مثل بيربليكسيتي (Perplexity) وجيميناي (Gemini) بنسبة 16.7% لكل منهما، في حين حلّت أداة كوبايلوت (Copilot) في المرتبة الأخيرة بنسبة 8.3%.

الفلتر اللغوي: أين يوظف الصحافي الاقتصادي الذكاء الاصطناعي؟

وفقاً لما استعرضه الباحث، جاءت مهمة "الترجمة" في صدارة المهام الصحافية التي يُعتمد فيها على الذكاء الاصطناعي بنسبة كاملة بلغت 100%، تلتها عملية "تلخيص النصوص والتقارير الطويلة" بنسبة 83.3%، ثم "البحث وجمع المعلومات" بنسبة 58.3%، وأخيراً "صياغة العناوين" بنسبة 41.7%.

وأوضح الدكتور الحسيني أن النتيجة الأساسية المستخلصة هنا هي أن الذكاء الاصطناعي يُستخدم في المقام الأول بوصفه "مرشحاً ومصفاة لغوية وتحليلية للبيانات المالية الدولية المعقدة"، مما يسهل على الصحافي معالجتها بسرعة قياسية وضخها للجمهور.

"مفارقة الثقة": كفاءة عالية ومخاوف من خطر الأرقام الوهمية

ومن أبرز ما توقف عنده الحضور في خطاب الدكتور الحسيني هو ما أسماه "مفارقة الثقة" (Trust Paradox)، حيث أشاد 91.6% من الصحافيين بالكفاءة والسرعة الفائقة التي يكتسبونها عبر هذه الأدوات. ولكن في المقابل، عبّرت النسبة عينها (91.6%) عن مخاوف وقلق عميق من ظاهرة "هلوسة الذكاء الاصطناعي" (AI hallucination) وتوليد أرقام مالية غير دقيقة أو مفبركة.

وشدد الباحث على أن "هذا القلق مشروع تماماً. ففي الصحافة الاقتصادية، لا تقتصر عواقب الرقم الخاطئ أو سعر الصرف غير المتحقق منه على كونه مجرد خطأ مهني عابر، بل يمكن أن يشكل خطراً حقيقياً يربك أسواق المال والصيرفة ويهدد الاستقرار المالي".

الفراغ الهيكلي و"التحوّل غير المرئي"

انتقدت الورقة البحثية غياب الحوكمة والتنظيم داخل المؤسسات الإعلامية، مشيرة إلى وجود "فراغ هيكلي" واضح، إذ أفاد نصف المشاركين (50%) بغياب أي سياسة رسمية تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي في مؤسساتهم، وعبّر 33.3% عن عدم علمهم بوجود مثل هذه السياسات، في حين أكدت نسبة ضئيلة جداً (16.7%) فقط وجود توجيهات رسمية.

وهذا الغياب المؤسسي أدى، بحسب الحسيني، إلى ما يمكن وصفه بـ"التحوّل غير المرئي"، حيث صرّح 75% من الصحافيين بأنهم تعلموا استخدام هذه التكنولوجيا ذاتياً بجهود شخصية، من دون تلقي أي تدريب رسمي أو موجّه من المؤسسات التي يعملون لصالحها.

الدوافع الثلاثة وصياغة النموذج الجديد

حدّد الحسيني ثلاثة دوافع رئيسية خلف هذا الإقبال التقني:

  1. الكفاءة: اختصار المهام الروتينية وتسريع دورة إنتاج الخبر تحت ضغط الوقت.

  2. ندرة الموارد (الدافع الأهم لبنانيّاً): حيث أكد 75% من المشاركين أن نقص الموظفين والتمويل في وسائل الإعلام هو ما دفعهم لتبنّي هذه التكنولوجيا من أجل سد الفراغ.

  3. الابتكار القائم على المبادرة الفردية: بهدف الحفاظ على القدرة التنافسية في سوق رقمي شرس.

ومن رحم هذه المعطيات، صاغ الدكتور الحسيني خطّه البياني لـ"نموذج تبنّي الذكاء الاصطناعي المدفوع بالأزمات"، شارحاً أن النموذج يبدأ من "أزمة مؤسسية" ناتجة عن "استنزاف الموارد"، وهو ما يقود إلى "تبنٍّ غير رسمي" (ذاتي وعشوائي) للتكنولوجيا، وينتهي، في المحصلة، إلى "إضعاف مستويات الثقة" بسبب غياب الأطر المنهجية وآليات التحقق الصارمة.

أفق 2030: معادلة البقاء والاستمرارية

وفي استشراف للمستقبل حتى عام 2030، أشار الحسيني إلى أن هناك إجماعاً كاملاً بنسبة 100% بين الصحافيين على أن وجود الذكاء الاصطناعي هو أمر "لا رجعة فيه"، وأن المستقبل سيكون "هجيناً" بامتياز، بحيث تتولى الآلة معالجة "البيانات الصلبة" (الأرقام والمؤشرات والبيانات الضخمة)، بينما يتفرّغ العنصر البشري لـ"التحليل الاستراتيجي" وبناء شبكات المصادر الموثوقة.

ولخص الحسيني الرؤية المستقبلية بطرح معادلة ذهبية قال إنها شرط العبور الآمن نحو العقد المقبل، وقوامها الآتي:

كفاءة الذكاء الاصطناعي + الأخلاقيات الإنسانية = البقاء في أفق 2030

وأوضح أن "هذه المعادلة تعني أن استمرار وسائل الإعلام الاقتصادية اللبنانية لا يكمن في استبدال الصحافيين بالآلات، بل في نموذج هجين يستفيد من سرعة الماكينة ويحافظ على أخلاقيات الصحافة البشرية كخط دفاع أخير لحماية المحتوى من الأخطاء الكارثية".

الذكاء الاصطناعي كحقيبة إسعافات أولية

واختتم الدكتور حيدر عبدالله الحسيني كلمته باقتباس معبّر ومؤثر لخص فيه أحد الصحافيين المشاركين في الدراسة الواقع اللبناني بدقة لا متناهية، قائلاً إن "الذكاء الاصطناعي في لبنان هو عدّة النجاة، وليس خياراً رفاهياً. والخطر الحقيقي يكمن في فجوة الحوكمة والسياسات الغائبة، وليس في التكنولوجيا نفسها"، وسط اهتمام الحضور الذين اعتبروا الطرح بمثابة جرس إنذار ودعوة ملحّة للمؤسسات الإعلامية اللبنانية لترتيب بيتها الداخلي ومواكبة الثورة الرقمية بأطر حوكمة واضحة تحمي صدقية الكلمة وموثوقية الأرقام.