Contact Us
Ektisadi.com
إعلام وفنون

بين التنظيم وحرية التعبير: قراءة موضوعية في محظورات النشر الجديدة التي أعلنتها وزارة الإعلام السورية

1 يوليو 2026 | 08:21 ص
وزارة الإعلام السورية ومحظورات النشر

أثار إعلان وزارة الإعلام السورية في 26 حزيران/يونيو 2026، مجموعة من "محظورات النشر والإعلام" نقاشاً واسعاً تجاوز مضمون البنود نفسها إلى أسئلة أعمق تتعلق بطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وحدود حرية التعبير، ودور السلطة في تنظيم الفضاء الإعلامي. وبينما اعتبر مؤيدو الخطوة أنها ضرورة لحماية السلم الأهلي ومنع الفوضى الإعلامية، رأى منتقدون أنها قد تفتح الباب أمام تقييد واسع للحريات بسبب الصياغات العامة والفضفاضة لبعض البنود.

وفي ظل هذا الجدل، تبدو الحاجة ملحّة إلى قراءة موضوعية لمضمون هذه المحظورات، بعيداً من الأحكام المسبقة، ومن منطلق نقدي إيجابي يوازن بين حق الدولة في تنظيم المجال العام وحق المجتمع في حرية التعبير والوصول إلى المعلومات.

نص المحظورات كما أعلنته وزارة الإعلام السورية

حددت الوزارة ستة محظورات رئيسية للنشر والإعلام، جاءت على الشكل الآتي:

أولاً: يُحظر نشر أي معلومات أو وثائق سرية تتعلق بالجيش أو الأمن أو الأمور السيادية للدولة، أو أي محتوى يحرض على الشغب أو العنف أو مخالفة القوانين العامة.

ثانياً: يُحظر نشر أي محتوى يتضمن سخرية أو امتهاناً للأديان السماوية أو العقائد أو الرموز الدينية.

ثالثاً: يُحظر نشر أي محتوى يدعو إلى الكراهية أو التمييز بين المواطنين على أساس العرق أو اللون أو الدين أو الجنس أو الانتماء الطائفي أو القبلي.

رابعاً: يُحظر انتهاك الخصوصية والسب والقذف، أو كشف أسرار الحياة الخاصة للأفراد، أو نشر صورهم وتفاصيل حياتهم العائلية دون إذن مسبق، أو الطعن في الأعراض وتشويه السمعة، أو توجيه الشتائم والإهانات للأشخاص أو الهيئات.

خامساً: يُجرَّم نشر الأخبار الكاذبة أو المحتوى المضلل أو المعلومات غير المؤكدة التي من شأنها تضليل الرأي العام، بما في ذلك الشائعات التي تضر بالاقتصاد الوطني.

سادساً: يُحظر نشر أو ترويج المواد التي تمس الآداب العامة أو النظام الأخلاقي.

تنظيم مطلوب... لكن بشروط

من حيث المبدأ، لا تبدو فكرة وضع ضوابط للنشر أمراً استثنائياً أو مناقضاً للمعايير الدولية. فمعظم دول العالم تفرض قيوداً قانونية على نشر الأسرار العسكرية، وخطاب الكراهية، والتحريض على العنف، والتشهير، وانتهاك الخصوصية. كما أن مكافحة الأخبار الكاذبة والتضليل الإعلامي أصبحت جزءاً أساسياً من التشريعات الحديثة، خصوصاً مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي.

ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن عدداً كبيراً من البنود الواردة في التعميم ينسجم، في جوهره، مع المبادئ العامة المتبعة في كثير من الأنظمة القانونية حول العالم.

قراءة نقدية

تكمن الإشكالية الأساسية، وفق القراءة النقدية للتعميم، ليس في وجود المحظورات بحد ذاته، بل في طريقة صياغتها وآليات تطبيقها. فبعض المفاهيم الواردة في النص تبدو واسعة وقابلة لتفسيرات متعددة، مثل "المساس بالأمور السيادية"، أو "الإضرار بالاقتصاد الوطني"، أو "مخالفة النظام الأخلاقي"، وهي مصطلحات قد تختلف معايير تفسيرها من جهة إلى أخرى.

وفي التجارب الديمقراطية الحديثة، عادة ما تُرفق هذه المصطلحات بتعريفات قانونية دقيقة أو بآليات قضائية مستقلة تحدد نطاق تطبيقها، بهدف منع تحولها إلى أدوات لتقييد النقاش العام أو الحد من النقد المشروع.

كذلك، يطرح بند "الأخبار غير المؤكدة" إشكالية عملية، إذ إن العمل الصحافي بطبيعته يعتمد أحياناً على معلومات أولية أو مصادر تحتاج إلى تحقق لاحق، ما يثير تساؤلات حول كيفية التمييز بين الخطأ المهني، والتضليل المتعمد، والعمل الصحافي الاستقصائي المشروع.

نقاط قوة واضحة

في المقابل، يتضمن التعميم عناصر يمكن اعتبارها إيجابية من منظور بناء بيئة إعلامية أكثر مسؤولية، ومن أبرزها:

  • التشديد على حماية الخصوصية والحياة الشخصية للأفراد.

  • رفض خطاب الكراهية والتحريض الطائفي والعرقي.

  • مكافحة حملات التضليل والشائعات المنظمة.

  • حماية المعلومات العسكرية والأمنية الحساسة.

  • تعزيز المسؤولية المهنية في النشر الإعلامي.

وهذه المبادئ تمثل، في جوهرها، متطلبات أساسية لأي نظام إعلامي يسعى إلى تحقيق التوازن بين الحرية والمسؤولية.

التحدي الحقيقي: الثقة والضمانات

يبقى التحدي الأساسي أمام أي منظومة لتنظيم الإعلام هو بناء الثقة بين الدولة والمجتمع. فكلما كانت القواعد واضحة، ومحددة، وخاضعة لرقابة قضائية مستقلة، ازدادت فرص قبولها مجتمعياً. أما عندما تكون النصوص عامة وفضفاضة، فإنها تثير بطبيعتها مخاوف من إمكانية استخدامها بصورة توسعية.

وفي هذا السياق، لا يبدو الجدل الدائر حول محظورات النشر السورية مرتبطاً فقط بمضمون البنود الستة، بل أيضاً بالسؤال الأوسع المتعلق بحدود السلطة التنفيذية في تنظيم المجال العام، والضمانات التي تكفل عدم تحول التنظيم إلى تقييد.

بين الحرية والتنظيم

في نهاية المطاف، لا يمكن لأي مجتمع حديث أن يستغني عن قواعد تنظّم العمل الإعلامي، كما لا يمكن لأي نظام إعلامي أن يؤدي دوره من دون مساحة كافية من الحرية والاستقلالية. ومن هنا، فإن نجاح أي إطار تنظيمي لا يُقاس بعدد المحظورات التي يتضمنها، بل بمدى قدرته على تحقيق توازن دقيق بين حماية المجتمع والدولة من جهة، وصون حق المواطنين والإعلاميين في التعبير والنقد والوصول إلى المعلومات من جهة أخرى.