Contact Us
Ektisadi.com
قضاء وقانون

بروفايل | من نيويورك إلى الجامعة العربية... رحلة نبيل فهمي بين السياسة والأكاديميا

23 يونيو 2026 | 04:37 ص
أمين عام جامعة الدول العربية الدكتور نبيل فهمي (إكس)

في زمن تتشابك فيه الحروب والأزمات وتتعاظم التحديات التي تواجه النظام العربي، يعود اسم الدكتور نبيل فهمي إلى واجهة الدبلوماسية الإقليمية، لكن هذه المرة من بوابة الأمانة العامة لجامعة الدول العربية. فالرجل الذي أمضى نصف قرن في دهاليز السياسة الخارجية المصرية، متنقلاً بين نيويورك وطوكيو وواشنطن والقاهرة، يجد نفسه اليوم أمام مهمة جديدة في واحدة من أكثر اللحظات اضطراباً في تاريخ المنطقة.

وافقت الدول العربية بالإجماع يوم الإثنين، على تعيين وزير الخارجية المصري الأسبق الدكتور نبيل فهمي أميناً عاماً لجامعة الدول العربية، ليخلف أحمد أبو الغيط ابتداءً من الأول من تموز/يوليو 2026، في قرار يعيد أحد أبرز وجوه الدبلوماسية المصرية إلى صدارة العمل العربي المشترك، وسط مشهد إقليمي مثقل بالحروب والتوترات والتحولات الكبرى.

ولد نبيل فهمي في مدينة نيويورك الأميركية في الخامس من كانون الثاني/يناير 1951، أثناء وجود والده إسماعيل فهمي في بعثة مصر لدى الأمم المتحدة، لكنه لم يحمل سوى الجنسية المصرية، وظل طوال مسيرته المهنية مرتبطاً بالهوية الدبلوماسية المصرية التي ورثها عن والده، أحد أشهر وزراء الخارجية في تاريخ مصر الحديث.

ويُعد إسماعيل فهمي أحد أبرز مهندسي السياسة الخارجية المصرية خلال سبعينيات القرن الماضي، إذ تولى وزارة الخارجية في عهد الرئيس الراحل أنور السادات وقاد الدبلوماسية المصرية خلال حرب أكتوبر 1973، قبل أن يستقيل عام 1977 احتجاجاً على توجه السادات نحو زيارة القدس والتسوية المنفردة مع إسرائيل. وفي هذا المناخ السياسي والدبلوماسي نشأ الابن، الذي بدا منذ سنواته الأولى امتداداً لمدرسة تؤمن بالتوازن والبراغماتية والحفاظ على المصالح الوطنية.

ورغم أن بداياته الأكاديمية لم تكن سياسية، فإنها مهدت لطريق مختلف. فقد حصل على بكالوريوس الفيزياء والرياضيات من الجامعة الأميركية بالقاهرة عام 1974، ثم نال درجة الماجستير في الإدارة عام 1976، قبل أن يلتحق في العام نفسه بالسلك الدبلوماسي المصري، فاتحاً صفحة امتدت لنحو خمسة عقود.

بدأ فهمي رحلته المهنية داخل وزارة الخارجية المصرية عام 1976، وتنقل بين مواقع عدة أكسبته خبرة واسعة في الملفات الدولية. وعمل في بعثة مصر لدى الأمم المتحدة في جنيف بين عامي 1978 و1982، ثم في بعثتها الدائمة لدى الأمم المتحدة في نيويورك بين 1986 و1990، قبل أن يتولى منصب المستشار السياسي لوزير الخارجية المصري بين 1990 و1997، وهي مرحلة شهدت أحداثاً إقليمية مفصلية، بينها حرب الخليج الثانية ومؤتمر مدريد للسلام عام 1991، الذي كان ضمن الوفد المصري المشارك فيه.

وفي عام 1997، عُين سفيراً لمصر لدى اليابان، ليشرف على تطوير العلاقات المصرية اليابانية، قبل أن ينتقل عام 1999 إلى واشنطن سفيراً لمصر لدى الولايات المتحدة، وهو المنصب الذي شغله حتى عام 2008، في واحدة من أطول فترات التمثيل الدبلوماسي المصري في العاصمة الأميركية.

وخلال وجوده في واشنطن، واكب إدارات بيل كلينتون وجورج بوش الابن، وتعامل مع ملفات شديدة الحساسية، من بينها عملية السلام في الشرق الأوسط، والحرب على الإرهاب، والعلاقات العسكرية والاستراتيجية بين القاهرة وواشنطن. وعُرف عنه خلال تلك الفترة دفاعه المستمر عن استقلالية القرار المصري، وحرصه على إبقاء العلاقة مع الولايات المتحدة في إطار الشراكة لا التبعية.

وبعد انتهاء مهمته في واشنطن، انتقل إلى المجال الأكاديمي، فأسس عام 2009 كلية الشؤون الدولية والسياسات العامة في الجامعة الأميركية بالقاهرة، ليصبح أول عميد لها. ونجح في تحويلها إلى إحدى أبرز المؤسسات الأكاديمية المتخصصة في العلاقات الدولية والسياسات العامة في المنطقة، كما عاد لتولي عمادتها مجدداً بين عامي 2014 و2022، وساهم في إعداد أجيال جديدة من الباحثين والدبلوماسيين.

ولم يبتعد كثيراً عن الساحة السياسية، إذ عاد إلى قلب الأحداث في تموز/يوليو 2013 عندما اختير وزيراً للخارجية في الحكومة المصرية التي تشكلت عقب عزل الرئيس محمد مرسي. وخلال فترة توليه الوزارة حتى عام 2014، واجه تحديات داخلية وخارجية معقدة، كان أبرزها إعادة صياغة علاقات مصر الإقليمية والدولية في ظل حالة الاستقطاب التي أعقبت التغيرات السياسية في البلاد.

ومن أبرز الملفات التي قادها خلال تلك المرحلة، العمل على استعادة الحضور المصري في إفريقيا، وإعادة ترميم العلاقات مع الولايات المتحدة وأوروبا، فضلاً عن تعزيز التعاون مع دول الخليج العربي، في وقت كانت القاهرة تواجه ضغوطاً وانتقادات غربية متزايدة.

وعلى امتداد مسيرته، شارك فهمي في عدد كبير من المؤتمرات الدولية، بينها مؤتمرات مراجعة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، واجتماعات الأمم المتحدة، ومؤتمر مدريد للسلام، واجتماعات جامعة الدول العربية، كما شغل عضوية مجالس ومؤسسات أكاديمية وفكرية دولية، بينها هيئة تحرير مجلة "مراجعة الصين والشرق الأوسط" التابعة لجامعة بكين.

ويُعرف نبيل فهمي أيضاً بوصفه مفكراً وكاتباً في قضايا السياسة الدولية، إذ نشر عدداً من الكتب التي تعكس رؤيته للعلاقات الدولية ومكانة مصر الإقليمية، من أبرزها كتاب "Egypt's Diplomacy in War, Peace and Transition" الصادر عام 2020، والذي تناول فيه تحولات السياسة الخارجية المصرية بين الحرب والسلام ومراحل الانتقال السياسي. كما أصدر بالعربية كتاب "من قلب الأحداث" عام 2022، ثم كتاب "الشرق الأوسط يُعاد تشكيله في أزمنة مضطربة" عام 2024، فضلاً عن عشرات المقالات والتحليلات السياسية المنشورة في الصحف والمجلات العربية والدولية.

ويتميز فهمي بخطاب دبلوماسي هادئ بعيد عن الشعبوية، ويطرح باستمرار رؤية تقوم على التعددية الدولية، واحترام القانون الدولي، وتعزيز مفهوم الأمن الإقليمي الجماعي، كما يدعو إلى سياسة عربية أكثر تنسيقاً في مواجهة الأزمات المتلاحقة التي تعصف بالمنطقة.

وعقب اختياره أميناً عاماً لجامعة الدول العربية، أقرّ بحجم التحديات التي تواجه العالم العربي، مؤكداً أنه يتعامل مع المسؤولية "بكل جدية ووعي"، في ظل ما وصفه بـ"التحديات غير المسبوقة" والانتهاكات المتكررة للقانون الدولي ومحاولات المساس بأمن واستقرار الدول العربية.

واليوم، وبعد خمسين عاماً من العمل الدبلوماسي والأكاديمي، يجد نبيل فهمي نفسه أمام اختبار جديد، ليس بصفته ممثلاً لمصر هذه المرة، بل بصفته صوتاً لمؤسسة عربية تبحث عن دور أكثر فاعلية في عالم تتغير موازينه بسرعة. وبين إرث والده الذي صنع جزءاً من تاريخ الدبلوماسية المصرية، وتجربته الشخصية الممتدة من الأمم المتحدة إلى واشنطن ثم الجامعة العربية، يبدأ الدبلوماسي المخضرم فصلاً جديداً من مسيرة جعلته أحد أكثر الوجوه العربية خبرة في إدارة الأزمات وقراءة التحولات الدولية.

بروفايل | من نيويورك إلى الجامعة العربية... رحلة نبيل فهم... | Ektisadi.com | Ektisadi.com