Contact Us
Ektisadi.com
قضاء وقانون

حبس صحافي في لبنان يُشعل الجدل... أين تنتهي حرية الصحافة وأين تبدأ هيبة القضاء؟

12 يونيو 2026 | 09:08 م
القضاء اللبناني وحرية الاعلام ai

أعاد الحكم القضائي الصادر بحق الصحافي رامي نعيم فتح ملف شائك طالما اعتُبر محسومًا في لبنان، وهو مسألة اللجوء إلى عقوبة السجن في قضايا الرأي والنشر. فالقرار لم يقتصر على معاقبة صحافي بسبب محتوى إعلامي، بل أعاد إحياء نقاش يتصل بالتوازن بين حماية القضاء وصون الحريات الإعلامية.

وقضت المحكمة بإدانة نعيم بجرائم الذم والقدح والتحقير، وحكمت عليه بالسجن النافذ لمدة شهر، من دون إمكانية استبدال العقوبة بغرامة مالية، إضافة إلى إلزامه بدفع تعويض قدره مليار ليرة لبنانية للجهة المدعية.

وتعود القضية إلى فيديو نشره نعيم عبر منصة "السياسة"، تضمّن اتهامات وانتقادات حادة بحق القاضية غادة عون والمحاميتين مايا جعارة وأرليت بجاني. واعتبرت الجهة المدعية أن ما ورد في المقطع تجاوز حدود النقد المشروع ووصل إلى مستوى التشهير والإساءة الشخصية، وهو ما استند إليه القضاء في إصدار حكمه.

في المقابل، رأى مؤيدو القرار أنه يشكل خطوة ضرورية لوضع حد لما يصفونه بتجاوزات بعض المنابر الإعلامية، مؤكدين أن حرية التعبير لا تعني إطلاق الاتهامات أو المساس بسمعة الأفراد والمؤسسات من دون ضوابط قانونية. واعتبروا أن حماية الكرامة الشخصية وهيبة القضاء لا تقل أهمية عن حماية حرية الرأي.

إلا أن الحكم قوبل باعتراض واسع داخل الأوساط الإعلامية والنقابية. فقد اعتبرت نقابتا الصحافة والمحررين أن السجن النافذ بحق صحافي يشكل سابقة خطيرة وتراجعًا في مستوى الحريات العامة، مؤكدتين أن أي تجاوزات مهنية يجب أن تعالج عبر الغرامات أو آليات المساءلة المدنية، لا من خلال سلب الحرية.

كما لقي هذا الموقف دعمًا سياسيًا، إذ شدد وزير الإعلام بول مرقص على رفض توقيف الصحافيين في قضايا النشر، مذكّرًا بالجهود المبذولة لإقرار قانون إعلام حديث يلغي العقوبات السجنية ويحصرها بالغرامات المالية، انسجامًا مع المعايير الدولية المتعلقة بحرية الإعلام.

وتكمن أهمية القضية في أنها أعادت إحياء نصوص قانونية ظل تطبيقها محدودًا لعقود، بعدما استقر العرف القضائي منذ تعديلات قانون المطبوعات عام 1994 على تجنب حبس الصحافيين في قضايا النشر. كما أعادت التذكير بمحطات تاريخية شهدت توقيف إعلاميين بارزين خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي قبل أن تتراجع هذه الممارسات تدريجيًا.

ولا تقتصر تداعيات القضية على شخص رامي نعيم أو مضمون تصريحاته، بل تتجاوز ذلك إلى نقاش أوسع حول كيفية الموازنة بين حماية سمعة الأفراد واحترام القضاء من جهة، وضمان حرية العمل الصحافي وعدم تحويل العقوبات السجنية إلى أداة قد تحد من حرية التعبير من جهة أخرى.

ويرى عدد من الحقوقيين أن إقرار قانون إعلام عصري يلغي عقوبات الحبس في قضايا النشر يبقى الخيار الأكثر فاعلية لحسم هذا الجدل ومنع تسييس الخلافات الإعلامية تحت سقف المحاكم.