"ماء الكلام" للكاتب وليد حسين الخطيب... كيف تُنبت لغة الضاد المعاني من كلمة؟


كتبت سهام محمود عيسى-القاهرة
ضمن سلسلة "من هنا... وهناك"، فضّلنا أن تكون هذه الحلقة عن الإصدار الجديد لصاحب السلسلة وليد حسين الخطيب بدل أن تكون بقلمه، وهذا الإصدار الجديد هو "ماء الكلام: رحلة ثقافية"، لنسلّط الضوء على ما يشكّل من علامة مميّزة في الثقافة العربية.
في لغاتٍ كثيرة، تبدو الكلمات كجزرٍ منفصلة، لكلٍّ منها شكلها ومعناها، من دون أن تربطها وشائج ظاهرة. أمّا في العربية، فالأمر مختلف تمامًا. الكلمات ليست جزرًا، بل أغصانٌ لشجرة واحدة… اسمها الجذر.
هذه الخاصيّة ليست مجرّد سمة لغوية، بل سرّ من أسرار لغة الضاد، يجعلها قادرة على توليد المعاني، لا استهلاكها فقط. فمن جذرٍ واحد، يمكن أن تتفرّع كلمات تبدو متباعدة في ظاهرها، لكنها تلتقي في عمقها، كما تلتقي الفروع في جذعٍ خفيّ.
في "ماء الكلام: رحلة ثقافية"، يُعاد اكتشاف هذا السحر. لا بوصفه قاعدةً نحوية، بل بوصفه تجربة. فحين يتتبّع الكاتب وليد حسين الخطيب جذرًا ما، لا يكتفي بعرض مشتقّاته، بل يكشف الخيط الذي يربط بينها، كأنّه يعيد رسم الخريطة الداخلية للكلمة.
فمثلًا، في جذر بسيط كـ «ع ق ل»، ومنه العقل، والعقال، والمعقل، والعقيلة، قد تبدو هذه الكلمات متباعدة في الوهلة الأولى، لكنّها، حين تُقرأ في ضوء الجذر، تكشف عن معنى جامع: الربط، الإمساك، الحفظ... كأنّ العقل ليس سوى ما يربط الإنسان، والعقال ما يربط الدابة، والمعقل ما يحفظ الإنسان من الخطر.
هذه القدرة على الجمع بين المعاني، من دون أن تُفقد كلّ كلمة خصوصيّتها، هي ما يمنح العربية طابعها الفريد. فهي لغة لا تكتفي بتسمية الأشياء، بل تُقيم بينها علاقات، وتكشف عن وشائج خفيّة تجعل المعنى أكثر عمقًا واتساعًا. لكنّ هذا لا يظهر لمن يمرّ مرورًا سريعًا على الكلمات. فالأمر يحتاج إلى توقّف، إلى تأمّل، إلى نوعٍ من الإصغاء الداخلي. وهذا ما يفعله ماء الكلام الذي قدّم له الأديب الفرنكوفوني عيسى مخلوف، حيث يبطئ القراءة، ويُعيد الكلمة إلى زمنها الطبيعي، لتُفهم ليس بوصفها لفظًا وحسب، بل بوصفها فكرة أيضًا.
واللافت أنّ هذه الخاصيّة لا تمنح اللغة جمالًا فحسب، بل تمنحها قدرة معرفية؛ إذ إنّ ربط الكلمات بجذورها يفتح بابًا لفهم أعمق للمفاهيم، وللعلاقات بينها. فحين نفهم أنّ كلماتٍ عدّة تتحدّر من أصلٍ واحد، نفهم أنّ المعاني نفسها متداخلة، وأنّ التفكير فيها لا ينبغي أن يكون منفصلًا.
في زمنٍ تميل اللغات إلى الاختصار والتبسيط، تبدو هذه الخاصيّة العربية أشبه بذاكرةٍ مقاومة. ذاكرة ترفض أن تختزل المعنى، وتصرّ على أن تُبقيه متشعّبًا، حيًّا، قابلًا للاكتشاف في كلّ مرّة.
"ماء الكلام: رحلة ثقافية" الذي صدر عن دار الانتشار العربي في 152 صفحة، لا يقدّم سحر اللغة بوصفها معطًى جاهزًا، بل يدعو القارئ إلى أن يكتشفه بنفسه؛ أن ينظر إلى الكلمات التي يستخدمها يوميًّا، كأنّه يراها أوّل مرّة.
عندئذٍ فقط، قد يكتشف أنّ اللغة التي بين يديه، ليست أقلّ من معجزة صغيرة… تتكرّر كلّ يوم.




