بين السطور (سلسلة "حبر ناعم" بقلم فدى الحاج)


لم تكن تحب الظهور، رغم أن اسمها كان بارزًا. كانت تكتب من قلبها وتختفي، وكأن الكلمات هي الطريقة الوحيدة التي تتنفس بها من دون أن تُرى.
وفي إحدى الليالي، بينما كانت تتصفح بريدها الإلكتروني بلا مبالاة، ظهرت أمامها رسالة غريبة تقول: "إلى من تكتب الحقيقة من دون أن تقولها".
ترددت لثوانٍ، ثم فتحتها لتجد فيها سطرين:
"أعرف لماذا جعلتِ بطلة روايتك تخاف من الاعتراف،
وأعرف أيضًا من هو الشخص الذي تهربين منه كل مرة".
تجمدت من الدهشة، فلا أحد يعرف هذه الشخصية؛ لم تخبر أيًّا من أصدقائها المقربين. كانت شخصية كتبتها من قلبها، لا من خيالها.
ومن ذلك اليوم، بدأ القارئ المجهول يرسل رسالة كل أسبوع، كأنه يعلم كل شيء أرادت الاحتفاظ به لنفسها بعيدًا من العالم.
وفي كل مرة كانت تقرأ رسالته، تشعر بأن أحدًا بدأ يقترب خطوة من بابٍ أغلقته منذ زمن.
كان يكتب عنها من دون ذكر اسمها، يلمّح إلى خوفها، إلى ألمٍ عاشته، إلى تلك اللحظات التي غيّرت شيئًا ما بداخلها.
ومع كل رسالة، كانت تشعر بوخزة في صدرها: كيف لشخصٍ غريب لا تعرفه أن يقرأها بهذه الدقة؟
وبعد كل قصة تنشرها، كانت تجلس تراقب صندوق بريدها، علّها تجد إشارة ترشدها إلى معرفته.
لكن الرسائل كانت تأتي بلا اسم ولا توقيع، من دون أي خيط يمكن التمسك به.
كأن صاحب الرسائل يتعمّد أن يبقى ظلًا، يتنقل بين الحروف، ويكتب لها من وراء ستار لا تستطيع اختراقه.
وفي المساء، وبعد أن نشرت قصة قصيرة عن امرأة تُفلت يد من تحب في اللحظة الخطأ، ما إن أنهت النشر، حتى جاءتها رسالة لم تكن طويلة، لكنها أصابتها في الصميم:
"هذه المرة لم تكتبِ عن بطلتك... بل عنكِ.
تعرفين جيدًا أن الهروب لا يغيّر واقع الحال".
قررت أن تكتب قصة تخفي شخصيتها تمامًا. كتبت عن بطلة أُخرى، عن مدينة لا تشبه مدينتها، عن امرأة قوية لا تخشى الصدمات.
كانت تحاول أن تخدعه.
وصلتها رسالة كانت كافية لإسقاط كل دفاعاتها، ثم الانهيار:
"محاولة جميلة، لكن قوتكِ ليست بإخفاء شخصيتك، بل في تلك اللحظة التي ترتجفين فيها حين تُغزل حروفك بين يديك".
أغلقت الرسالة ببطء، ثم أعادت قراءتها من جديد.
لم تكن هذه الرسالة من قارئ عادي؛ هذه الكلمات تكتبها روح تعرفها، أو ربما كانت تعرفها من قبل.
همست في سرّها: ماذا لو لم يكن مجهولًا؟
فكرة عبرت ذهنها سريعًا، ثم هدأت. لم تعد تهتم بالسؤال.
كان يكفيها شعورها بأن بين السطور يدًا امتدّت إلى قلبها، لامست خوفًا قديمًا، وجعلته يبرأ.
ومن تلك الليلة، فهمت أن المجهولية ليست لُغزًا، بل دعوة لمواجهة ما كانت تخفيه طويلًا عن نفسها.




