هوامش دافئة (سلسلة "حبر ناعم" بقلم فدى الحاج)


لم تكن تحب الأماكن المزدحمة، لكنّها وجدت نفسها تمشي كل يوم في الشارع نفسه، متذرّعة بأنها تستكشف المدينة، إلّا أنّها في الحقيقة كانت تلاحق اللحظات الصغيرة التي تأتي مصادفة، أو هكذا كانت تظن.
كان المطر رذاذًا، فاحتمت تحت مظلتها الوردية، مرّ بجانبها رجل مبتلّ، ابتسم ورفع حاجبه قائلًا: "المطر لا يبلل الروح، إنما يوقظها".
ابتسمت، ولم تجد جوابًا، وفي طرفة عين، اختفى بين المارّة.
راحت تنظر بين الوجوه، باحثة عن صاحب تلكما العينين البرّاقتين، فلم تجده. ومع ذلك تركت جملته أثرًا عميقًا في داخلها، كأنها نقطة حبر على هامش يومٍ غير عادي.
غابت عن ذلك الشارع بضعة أيام، لتعود وتراه يجلس في المقهى الذي لم تزره من قبل، منشغلًا بدفتر صغير، يكتب ببطء، كأنه يخشى أن يزعج الكلمات.
نهض مسرعًا للمغادرة، لكنه ترك دفتره مفتوحًا سهوًا، انتابها الفضول لمعرفة محتواه، فوجدت عبارة تقول: "الأشياء التي لا تقال... أكتبها كي لا تضيع...".
ذيّلتها بعبارة الحكاية لم تكتب بعد، ربما قد بدأت... ثم تركت الدفتر وغادرت المكان مبتسمة.
وفي اليوم التالي، عند المدخل الضيق للمكتبة، اصطدمت به من دون قصد، تعرّف إليها فورًا، وقال: "أعرف هذه الابتسامة جيدًا، ألست فتاة الشتاء؟!".
لم يطل اللقاء، ولم يتبادلا اسميهما، لكن شيئًا ما كان أوضح، كأن لكل لقاء هامشًا لعنوان فصلٍ جديد.
في المساء خرجت لشراء بعض الحاجات، فرأته جالسًا على مقعد خشب يرتشف قهوته، لم تكن تخطط للوقوف، لكنه لمحها ولوّح لها بإيماءة خفيفة. اقتربت وجلست على المقعد المقابل بصمت عميق، نظر إليها قائلًا: "مرة أخرى هنا!".
أخرج دفتره مجدّدًا، وفتح صفحة جديدة، ثم دنا منها وقال بصوت خافت: "اكتبي هامشًا تبدأ به قصتنا".
أمسكت بالقلم وكتبت بضع كلمات، كأنها تهمس للورقة، كم صفحة لم تكتب بعد؟!
ابتسم لها برفق ثم أغلق الدفتر ووضعه جانبًا، وقال: "الهامش جيد... فلنرَ ما سيحمله المستقبل".
ابتسمت له، ومضت في طريقها، وهي تحمل في قلبها فكرة واحدة: بعض اللقاءات، حتى لو كانت قصيرة، تكفي لتذكيرنا بأن الحكاية لم تنته بعد، وأن الفرصة لصفحة جديدة دائمًا موجودة.




