رمضان... صوم الجسد واستيقاظ الروح (سلسلة "من هنا وهناك" بقلم وليد حسين الخطيب)


يأتي شهر رمضان كل عام محمّلًا بمعانٍ تتجاوز الامتناع عن الطعام والشراب، ليكون محطة مراجعة شاملة للنفس، وفسحة صفاء تعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان وخالقه، وبين الإنسان وأخيه الإنسان. هو شهر الصوم، نعم، لكنه قبل ذلك شهر الرحمة، والتراحم، والتقارب، وكسر الحواجز بين القلوب...
في رمضان، تتغيّر إيقاعات الحياة. تتباطأ الخطى قليلًا، ويعلو صوت الروح على صخب الجسد. يجتمع الناس حول موائد الإفطار، لا ليأكلوا فحسب، بل ليتشاركوا الدفء الإنساني، ويستعيدوا معنى العائلة والجيرة والصداقة. وفيه تزداد الصدقات، وتلين القلوب، ويشعر الغني بحاجة الفقير، ولو لحظات، فيدرك أن الجوع ليس فكرة عابرة، بل معاناة يومية يعيشها كثيرون. وعطفًا على ما سبق، عندما كنا صغارًا، كنّا نسمع أنّ الصيام واجب ليشعر الغني بالفقير. وكان السؤال الذي يتبادر إلى أذهاننا إذا كان هذا هو السبب فلماذا يصوم الفقير؟ ليشعر بمن؟ ولكن بعد نضوج العقل، تبيّن لنا أنّ فوائد الصيام كثيرة لا مجال لذكرها، وأنّ أهمّها هو المساواة بين الغني والفقير...
غير أنّ المفارقة المؤلمة تكمن في تحوّل هذا الشهر، عند بعضنا، من شهر صوم إلى شهر طعام. تمتلئ الأسواق، وتتضاعف المشتريات، كأننا نستعدّ لمعركة مع الجوع لا لتهذيبه. تتكدّس الأطباق على موائد الإفطار، ويبدأ الأكل مع أذان المغرب وبالكاد ينتهي قبل أذان الفجر. وما بينهما، بطنة وتخمة وتلبّك معوي، ثم أكياس ممتلئة ببقايا طعام تُرمى في القمامة، في وقتٍ يشتهي فقراء كثر لقمة نظيفة تسدّ رمقهم.
كأنّ بعضنا يمارس نوعًا من الانتقام من ساعات الصيام، فيحوّل الإفطار إلى سباق مع الأطباق، بدل أن يكون لحظة شكر واعتدال. فنقع في نقيض مقصود الصوم: بدل أن نروّض الشهوة، نطلق لها العنان؛ وبدل أن نخفّف عن أجسادنا، نثقلها بما لذّ وطاب.
والحال أنّ رمضان، في بُعده الصحي، فرصة ثمينة لاستراحة الجهاز الهضمي، وتنقية الجسد من السموم، وإعادة التوازن إلى عاداتنا الغذائية. الصوم المعتدل يعلّمنا الاكتفاء، ويذكّرنا بأنّ القليل يكفي، وأنّ الجوع المؤقت يمكن أن يكون دواءً، لا عذابًا. لكن حين يتحوّل الليل إلى وليمة مفتوحة، تضيع الحكمة، وتبدأ بعد العيد رحلة الشكوى من زيادة الوزن، وارتفاع الكوليسترول، وأمراض المعدة، وسواها من علل نحن في غنى عنها.
رمضان ليس شهر التخمة، بل شهر التخفّف؛ ليس شهر الاستعراض في المآدب، بل شهر الاقتصاد في اللقمة والكلمة؛ ليس شهر الاستهلاك المفرط، بل شهر القناعة. هو دعوة لإعادة النظر في علاقتنا بالطعام، كما في علاقتنا بالناس. أن نأكل لنعيش، لا أن نعيش لنأكل. وأن نتذكّر، ونحن نرفع أول لقمة إلى أفواهنا، أنّ في مكان ما من ينتظر لقمة لا تأتي.
لعلّنا، إن أحسنّا فهمَ رمضان، نصوم حقًّا: يصوم الجسد عن الإفراط، وتصوم النفس عن القسوة، ويصوم القلب عن الغفلة. عندئذ فقط، يصبح الشهر مدرسة رحمة، وموسم شفاء، وجسرًا حقيقيًّا بين الأرض والسماء، وبين إنسانٍ وأخيه الإنسان.




