علاجات السرطان تنقذ الأرواح لكنها تترك قلوباً مريضة | الوجه الخفي لثورة النجاة


في أواخر تسعينيات القرن الماضي، اعتقدت طبيبة الأورام الأسترالية بوغدا كوتشوارا أنها أنقذت حياة مريضها بالكامل. كان شرطيًا تعافى من سرطان الغدد اللمفاوية غير الهودجكينية، واختفت كل المؤشرات التي تدل على عودة المرض. لكن بعد سنوات قليلة، عاد الرجل إلى العيادة منهكًا، يشتكي تعبًا لا تفسير له. لم يكن السرطان قد عاد… بل كان قلبه ينهار بصمت.
العلاج الكيميائي الذي قضى على الورم كان قد ألحق أذى دائمًا بعضلة القلب. نجا المريض من السرطان، لكنه لم ينجُ من تبعات العلاج. لاحقًا، توفي بسبب فشل قلبي. تقول كوتشوارا اليوم: "أنقذتُه من السرطان، لكنني لم أحمِ قلبه. الثمن كان فادحًا"، وفقّا لما أوردت بلومبيرغ اليوم الجمعة.
وباء صامت بين الناجين
ما بدا حينها حالة فردية، تحوّل اليوم إلى نمط عالمي مقلق. فمع القفزات الهائلة في علاجات السرطان، ارتفع عدد الناجين إلى مستويات غير مسبوقة: أكثر من 18 مليون ناجٍ في الولايات المتحدة، وأكثر من 1.2 مليون في أستراليا، وأعداد متزايدة في أوروبا وآسيا. لكن هذا النجاح الطبي يخفي تحديًا جديدًا: السرطان لم يعد وحده العدو، بل العلاج نفسه أصبح عامل خطر على القلب.
العلاجات الحديثة، من العلاج المناعي، إلى الأدوية التي تقطع التغذية الدموية عن الأورام، وصولًا إلى العلاجات الجزيئية الدقيقة، أكثر فاعلية، لكنها أيضًا أكثر قسوة على الجهاز القلبي الوعائي. أطباء الأورام وأمراض القلب يواجهون اليوم واقعًا جديدًا: مرضى يشفون من السرطان ليصطدموا بعد سنوات بأمراض قلبية مزمنة.
أرقام تنذر بالخطر
بيانات مراكز السيطرة على الأمراض في الولايات المتحدة تعكس هذا التحول. فقد ارتفعت وفيات أمراض القلب بين أشخاص لديهم تاريخ إصابة بالسرطان من 4.7 لكل 100 ألف في عام 2019 إلى 5.5 في عام 2024. الزيادة تبدو طفيفة، لكن الخبراء يرون فيها إشارة مبكرة لما قد يتكشف لاحقًا، خصوصًا أن كثيرًا من أدوية السرطان الحالية ما زالت حديثة العهد.
ويحذر الأطباء من أن الأضرار القلبية لا تظهر دائمًا بشكل حاد أو فوري. أحيانًا تتسلل ببطء، وتستغرق سنوات قبل أن تُكتشف، حين يكون الضرر قد أصبح غير قابل للإصلاح.
كيف تؤذي العلاجات القلب؟
العلاج المناعي قد يسبب التهابًا في عضلة القلب، وهو عرض نادر (أقل من 1%) لكنه قد يكون قاتلًا.
الأدوية التي تعيق الأوعية الدموية ترفع ضغط الدم لدى ما يصل إلى 40% من المرضى.
العلاجات الموجّهة جينيًا قد تعطل مسارات جزيئية أساسية لوظيفة القلب.
ويقول الطبيب جافيد موسلي، اختصاصي القلب في جامعة كاليفورنيا - سان فرانسيسكو، إن "كل علاج رئيسي تقريبًا للسرطان يترك أثرًا ما على القلب"، مشيرًا إلى أن تراكم العلاجات بمرور الوقت يزيد الخطر.
من الإهمال إلى التخصص
في التسعينيات، كانت السمية القلبية لبعض أدوية العلاج الكيميائي معروفة، لكن لم يكن هناك وعي كافٍ بالمخاطر الطويلة الأمد. تعترف كوتشوارا بأنها لم تحذّر مريضها بما يكفي، ولم تأخذ في الاعتبار عوامل الخطر الأخرى لديه، كالتدخين والجنس والعمر.
هذه التجربة غيّرت مسار حياتها المهنية. فهي اليوم تقود أول مركز متخصص في أستراليا لرعاية الناجين من السرطان، وتعمل على ترسيخ مفهوم جديد: النجاة لا تعني فقط غياب السرطان، بل إدارة كل ما يترتب عليه لاحقًا.
طب جديد: أورام + قلب
استجابة لهذا التحدي، نشأ تخصص طبي جديد يُعرف بـأورام القلب (Cardio-Oncology). المستشفيات تفتح عيادات مشتركة، والفحوصات القلبية أصبحت أكثر دقة وتكرارًا. تقنيات التصوير بالموجات فوق الصوتية باتت تكشف تراجعًا طفيفًا في كفاءة القلب قبل ظهور الأعراض، ما يسمح بالتدخل المبكر.
كما بدأت الهيئات التنظيمية تفرض على شركات الأدوية تقديم بيانات أكثر صرامة عن السلامة القلبية. تجربة دواء "هيرسبتين" لسرطان الثدي كانت نقطة تحول، إذ فُرضت فحوصات قلبية دورية للمرضى بعد ثبوت تأثيره على القلب لدى نسبة صغيرة منهم.
جيل شاب… ومخاطر مؤجلة
القلق الأكبر يتمثل في تشخيص بعض السرطانات، مثل سرطان الثدي والقولون وسرطانات الدم، لدى فئات عمرية أصغر. هؤلاء قد يعيشون عقودًا مع آثار قلبية كامنة. وتشير دراسات طويلة الأمد إلى أن من عولجوا في الطفولة بالعلاج الكيميائي أو الإشعاعي قد يواجهون خطرًا يتجاوز 10% للإصابة بمشكلات قلبية خطيرة في منتصف العمر.
وتحذر الطبيبة سوزان تشينغ من مركز سيدارز-سيناي في لوس أنجلوس من أن أمراضًا شائعة مثل السكري والسمنة وارتفاع ضغط الدم يمكن أن تضاعف هذه المخاطر مع مرور الوقت.
النجاة… مفهوم أوسع
اليوم، يتفق الخبراء على حقيقة واحدة: النجاة من السرطان ليست نهاية القصة. إنها بداية مرحلة جديدة تتطلب متابعة دقيقة، وتوازنًا بين إنقاذ الحياة والحفاظ على جودتها.
تقول كوتشوارا إن "العلاج يأتي بثمن. والمطلوب اليوم أن نكون صادقين مع المرضى، وأن نمنحهم حياة أطول… وقلبًا قادرًا على مواكبتها".




