Contact Us
Ektisadi.com
اقتصاد

تحوّل كندي لافت نحو بكين يعمّق الفجوة مع واشنطن في عصر الرسوم الترامبية

تحوّل كندي لافت (Ai)

كشف رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، بنبرة هادئة تخفي خلفها تحوّلًا استراتيجيًا عميقًا، عن إعادة تموضع كندا تجاريًا باتجاه الصين، معتبرًا أن بكين أصبحت شريكًا “أكثر قابلية للتوقّع” من الولايات المتحدة في ظل النظام التجاري العالمي الجديد، بحسب ما أوردته بلومبيرغ. هذا التصريح، الصادر عن مصرفي مركزي سابق لا يُعرف بالمبالغة، عكس قناعة متنامية داخل أوتاوا بأن مرحلة جديدة من العلاقات الدولية بدأت تفرض نفسها.

وغادر كارني العاصمة الصينية بعد التوصل إلى تفاهم مع الرئيس شي جين بينغ يفتح المجال أمام دخول السيارات الكهربائية الصينية إلى السوق الكندية، إضافة إلى استثمارات صناعية في قطاع السيارات. خطوة كهذه كانت لتُعد غير واردة قبل عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض لولاية ثانية، وفق تحليل بلومبيرغ، نظرًا لاصطفاف كندا التاريخي إلى جانب الولايات المتحدة في سياساتها تجاه الصين.

لطالما التزمت كندا بخط واشنطن في الملفات الصينية، حتى في ذروة الأزمة الدبلوماسية التي شملت توقيف مسؤولين واحتجاز مواطنين، غير أن هذا الانسجام بدأ يتصدّع مع تصاعد النزعة الحمائية الأميركية. فقبل أقل من عامين، فرضت أوتاوا رسومًا جمركية بنسبة مئة في المئة على السيارات الكهربائية الصينية، تماشيًا مع القرار الأميركي، ما دفع بكين إلى فرض إجراءات مضادة طالت صادرات كندية زراعية، كما تذكر بلومبيرغ.

لكن المشهد تبدّل مع تولي ترامب الحكم مجددًا، إذ فرض رسومًا جمركية واسعة على منتجات كندية، إلى جانب ضرائب عالمية على السيارات والصلب والألمنيوم، ما ألحق ضررًا بالغًا بكندا بسبب تشابك سلاسل التوريد بين البلدين. وتشير بلومبيرغ إلى أن كندا تُعد الأكثر اعتمادًا على الولايات المتحدة بين دول مجموعة السبع، إذ تذهب نحو سبعين في المئة من صادراتها إلى السوق الأميركية، وتأتي غالبية وارداتها منها.

ويرى كارني، المصرفي السابق في “غولدمان ساكس”، أن هذا الواقع يفرض على كندا مضاعفة صادراتها غير المتجهة إلى الولايات المتحدة خلال عشر سنوات، وهو هدف شبه مستحيل من دون انفتاح أوسع على الصين، بحسب خبراء نقلت عنهم بلومبيرغ. ويقول إريك ميلر، مؤسس مجموعة “ريدو بوتوماك” للاستشارات التجارية، إن رئيس الوزراء يبعث برسالة واضحة مفادها أن كندا تملك بدائل ولن تنتظر استعادة الرضا الأميركي.

الاتفاق مع بكين ينص على حصة سنوية تصل إلى تسعة وأربعين ألف سيارة كهربائية صينية تدخل كندا برسوم منخفضة، إضافة إلى فتح الباب أمام استثمارات مشتركة لشركات صينية في قطاع السيارات الكندي، وهي خطوة أثارت جدلًا واسعًا. وتلفت بلومبيرغ إلى أن شركات صينية مثل “بي واي دي” استطاعت إزاحة “تسلا” عن صدارة مبيعات السيارات الكهربائية عالميًا هذا الشهر.

ورغم اعتراضات أميركية رسمية واعتبار ممثل التجارة الأميركية أن الاتفاق “إشكالي”، بدا ترامب أقل حدّة في تقييمه الأولي، إذ قال إن من حق كارني إبرام اتفاق تجاري مع الصين، معتبرًا ذلك أمرًا إيجابيًا، وفق ما نقلته بلومبيرغ، لا سيما أنه يخطط لزيارة بكين في شهر نيسان/أبريل المقبل.

مع ذلك، تؤكد بلومبيرغ أن الاتفاق لا يشكّل انقلابًا شاملًا في النظام العالمي، بل هو مجموعة مذكرات تفاهم غير ملزمة تعيد العلاقات جزئيًا إلى ما كانت عليه قبل سنوات. فقد سبق لرئيس الوزراء السابق جاستن ترودو أن حاول عام 2017 التوصل إلى اتفاق تجاري شامل مع الصين، لكن المسار تعثّر، ثم انهار تمامًا بعد توقيف المديرة المالية لشركة “هواوي” في فانكوفر في كانون الأول 2018، وما تبعه من احتجاز مواطنين كنديين في الصين.

ويصف خبراء هذه الخطوة بأنها “تحوّط مصرفي” أكثر منها تحالفًا جديدًا، هدفه انتزاع الحد الأدنى من التنازلات الجمركية المتبادلة، كما يقول جيف نانكيفيل، الرئيس التنفيذي لمؤسسة آسيا والمحيط الهادئ الكندية، في تصريحات نقلتها بلومبيرغ.

ورغم الترحيب الاقتصادي، لا تخلو الخطوة من مخاوف داخلية، لا سيما لدى المزارعين المتضررين من الرسوم الصينية على الكانولا والبازلاء، وسط قلق من فتح السوق أمام فائض إنتاج صيني مدعوم في قطاع السيارات الكهربائية. ويعبّر الدبلوماسي السابق مايكل كوفريغ عن “شعور مقلق” حيال الاتفاق، معتبرًا أن الصين تلوّح بالأذى الاقتصادي كورقة ضغط، وفق ما أوردته بلومبيرغ.

مع ذلك، يبدو أن كارني يتعامل بواقعية صارمة مع المشهد الدولي، مؤكدًا أن بلاده “تتعامل مع العالم كما هو لا كما تتمنى أن يكون”. وتختم بلومبيرغ بأن هذه المقاربة تعكس تفويضًا شعبيًا واضحًا ناله كارني لتنويع الشراكات التجارية، بعد أن أدت الحمائية الأميركية وحديث ترامب عن كندا كـ“الولاية الحادية والخمسين” إلى تسريع هذا التحوّل.

وبينما يبتعد كارني عن نهج القيم الذي ميّز سياسة سلفه، ويركّز على التجارة والنمو، يرى مؤيدوه أن ما يجري هو إعادة معايرة ضرورية. ويعتبر ديريك هولت، كبير الاقتصاديين في بنك نوفا سكوشا، أن الاتفاق مع الصين يمثل انتقالًا من “الخطاب الأخلاقي” إلى البراغماتية الاقتصادية، في عالم لم يعد يحكمه منطق التجارة الحرة وحده، كما نقلت بلومبيرغ.