Contact Us
Ektisadi.com
أدب

ثلاثة أيام تكفي (بقلم فدى الحاج ضمن سلسلة حبر ناعم)

فدى الحاج
15 يناير 2026
سيدة قرب نافذة ماطرة بعد فراق الحبيب - فدى الحاج

تخاصمنا في مساءٍ عاديّ، من تلك المساءات التي تبدأ من دون نيّة الأذى وتنتهي بجراحات. كانت ليلة عاصفة تلفّها كلمات قاسية، تبرد أحيانًا وتكبر وتتدحرج ككرة الثلج من فمٍ إلى قلب.

مرّت ثلاثة أيام، لم نتكلم قط، لا عتاب، لا رسالة اطمئنان، ولا حتى سلام. كان الصمت يسود بيننا، فيترك فراغًا صغيرًا سرعان ما كبر.

كنت أفتقده في تفاصيل صغيرة: فنجان قهوة، أغنية عابرة، ومع رذاذ المطر.

أفتقده لا بلهفة صاخبة، بل بحنين هادئ يشبه وجوده الراقي حين كان بقربي، لم أتصل، ليس لأنني قاسية، بل لأن قلبي كان ممتلئًا به أكثر مما يجب.

مرّ اليوم الثالث بطيئًا، وكل دقيقة كانت تسألني: هل يقاس الحب باتصال أو برسالة؟ أم بالقدرة على الانتظار؟

وعند الساعة الحادية عشرة والدقيقة الخامسة والخمسين، أضاءت شاشة هاتفي، كأنّ المسافة قرّرت أن تكسر حاجز الصمت.

كانت رسالة قصيرة، لكنها دافئة، حطت على جسدي كمعطف صوف، أزال برودة الأيام التي مضت على نحو موجع: "إذا قدرتِ على اليوم الرابع… فأنا انهَدّ حيلي".

ابتسمت رغم توتري، وضعت الهاتف جانبًا، أستشعر كل حرف من تلك الرسالة، كأنّ صوتًا يقرأها داخلي. كانت الجملة أبعد من التعب، وأبعد من الاعتراف، شيئًا يشبه البوح بعد الكتمان، والراحة بعد العناء.

جلست صامتة، أضع كفي على صدري، أشعر بدقّات قلبي تتسارع، ليس من الفرح، ولا من الحيرة، بل من ذلك الدفء الخفي الذي اختلج الوجدان.

أغمضت عينيّ لحظة، استنشقت عطره الذي علق في ذاكرتي، كأن المسافة التي فرّقتنا لم تزدنا إلا حبًّا وتمسّكًا.

أدركت حينذاك أن هذا القرب ليس مجرد كلمات، بل شعور حقيقي ينبع من قلب ليصل إلى أعماق قلب آخر، شعور يكفي ليطمئننا إلى أن الحب موجود رغم المسافات، رغم الصمت، رغم كل ما مضى، وأننا دومًا يعود واحدنا إلى الآخر، أقوى، أصدق، وأكثر قربًا... كأن قلبينا يعرفان الطريق دائمًا، مهما حاول الزمن أو الغياب أن يبعدنا.

ثلاثة أيام تكفي (بقلم فدى الحاج ضمن سلسلة حبر ناعم) | Ektisadi.com | Ektisadi.com