ذاكرة مثقوبة (بقلم فدى الحاج)


ذاكرة مثقوبة
يحكى أن ملكًا دخل القصر من باب بلا سياج، واثقًا في الدلائل والبراهين، يتحدث كأنه يملك الحقيقة الكاملة، لا يترك مساحة للشك.
كان يعلم جيدًا ما يفعل، وذكيًّا إلى درجة أن كل ما يقول يبدو مقنعًا، يتذكّر بدقة ما يجعله ضحية، وينسى ما يجعله متّهمًا.
كان هادئًا في لغته، لا يصرخ، لا ينهار، يتقبّل كل شيء، وهذا ما يجعله أكثر إثارة للخوف. مبرر بارع، لا ينكر الحقيقة، بل يعيد صوغها لتبدو منطقيًّة وأقرب إلى ضرورة لا خيار فيها. لا يكذب، وهو يروي نسخة حيكت بخيوط معقدة لا يقدر على تفكيكها غيره... ومن معه.
كانت لديه جملة من الأساليب لفتح أبواب مغلقة، وإقفال أخرى من دون أن يلاحظ أحد، مفرداته بسيطة، مألوفة، لا تثير الريبة، جمل قصيرة، لكنها تحفر فراغات دقيقة في الحكاية، ليُسقِط منها الحقائق الثقيلة، ويُبقي على الخفيفة التي لا تدينه.
في جناح مظلم من القصر، جلس الملك مع شريكه يحاولان تقسيم ما استوليا عليه من حقوق الآخرين. طلب الشريك أن يُعطَى الحق في التصرف بما يملك، رفض الملك رفضًا قاطعًا، غضب صاحبه كأنه لم يشاركه في حياكة المشهد منذ البداية، ابتسم الملك في وجهه، وقال بصوت خافت: "أتفهّم غضبك، لكنك تعرف أن كل شيء بحسب الاتفاق".
تزايدت حرارة التوتّر بينهما، وارتفع منسوب الغضب، ثم اقترح أحدهما توسّط طرف آخر بينهما لحل النزاع. عند الباب ظهر رجل، كان واقفًا بثبات، يراقب بدقة كل حركة وكل تفصيل، ثم نطق بكلمات قليلة لكنها كالسيف تقطع من دون توقف: كيف تريدان أن أقف مع أحدكما ضد الآخر الآن، وأنا لم أشارك في أي شيء، ولم أكن موجودًا عندما تشاركتما؟ لذا سأقف محايدًا وأكتفي بالصمت عند خلافاتكما، فلا ناقة لي ولا جمل في هذا الموضوع.
تردّد الملك لحظة، ثم تلعثم بالكلام، حتى عرفت كل عضلة في جسده أن الحق هنا أكبر من أي حيلة أو سكون. فكلمات الطرف الثالث كانت صفعة على وجه الحقيقة، والملك شعر بثقل ما فعل. قال بصوت يكاد يهمس لكنه مليء بالاعتراف: "صحيح… كان يجب أن نتصرف بشكل مختلف، وأن نراعي حقوق الآخرين. لقد أخطأنا، والحق لا بد أن ينتصر".
خيّم الصمت عليهما، وأصبح ثقيلًا لكنه كامل. أول مرة، يعيان أن الذكاء والمكر لا يغنيان عن إعلاء صوت الحق، حين يقف صلبًا، ولا ثقوب الذاكرة تمنع إحياء الضمير حين يراد دفنه.
هكذا، بقي الطرف الثالث حازمًا، صامدًا، كصوت الحقيقة الذي لا ينكسر، بينما القصر بأركانه المظلمة يحمل في داخله دروسًا لا تُنسى: أن الاعتراف بالخطأ، واحترام الحق، أحيانًا أقوى من أي قوة أو دهاء.




