Contact Us
Ektisadi.com
تعليم وثقافة

حكاية أديداس وبوما في معركة لا تنتهي

19EE90BC-D9DD-41B3-8189-E7248EEA416C

اديداس و بوما

تنبعث قصة الصراع بين أديداس وبوما من أعماق قرية ألمانية صغيرة تدعى هيرتسوغيناوخ، حيث ولد الأخوان أدولف «أدي» دارسلر ورودولف دارسلر في أسرة تمتهن صناعة الأحذية وعاشا طفولة محاطة بالفن الصناعي للجلد والإبداع، وكانا في مطلع القرن العشرين يحلمان بتحقيق نجاح في عالم صناعة الأحذية الرياضية وتأسيس مشروع عائلي يتوج شغفهما وموهبتهما.

في بداية عشرينيات القرن الماضي أسس الأخوان مصنع أحذية يدويًا باسم «مصنع أحذية الأخوين دارسلر»، ومن هنا انطلقت مسيرة غير عادية حين بدأت منتجاتهما تجذب الرياضيين في أوروبا، وشهدت أفرشة الأخوين أولى لحظات المجد عندما ارتدى العداء الأمريكي جيسي أوينز أحذية المصنع في أولمبياد برلين عام 1936 وفاز بأربع ميداليات ذهبية، مما أعطى العلامة التجارية إقبالًا دوليًا في ذلك الوقت  .

غير أن علاقة الأخوين سرعان ما تدهورت بعد الحرب العالمية الثانية إذ تراكمت الخلافات الشخصية والمهنية بينهما حول اتجاه العمل والسياسات الداخلية، وقد تنوعت الروايات عن أسباب الخلاف بينها ما يتعلق بسوء فهم حدث أثناء إحدى الغارات الجوية إلى جانب اختلاف رؤيتهما المستقبلية للمشروع المشترك، فبينما كان أدي يركز على التطوير الفني والابتكار في الأحذية، كان رودولف يميل إلى الجوانب التجارية والتسويقية، وهذه الخلافات أدت في نهاية المطاف إلى انفصالهما في نهاية الأربعينيات من القرن الماضي  .

بعد الانفصال أسس أدولف شركته الخاصة التي سجلها رسميًا باسم «أديداس» في العام 1949، مستلهمًا اسمه «أدي» و«دارسلر»، بينما أسس رودولف شركته التي سماها في البداية «رودا» قبل أن يطلق عليها اسم «بوما»، وأصبح مصنع كل منهما على ضفتي نهر أوراخ في البلدة ذاتها، ليبدأ بذلك صراع طويل بين العلامتين اللتين كانتا نتيجة لخلاف عائلي حاد  .

تحولت هيرتسوغيناوخ إلى مدينة منقسمة حيث انقسم السكان بين من يدعم أديداس ومن يؤازر بوما، حتى أن المشاة كانوا ينظرون إلى أحذية المارة لتحديد الولاء وتفضيل العلامة، واللافت أن الانقسام شمل حتى أندية كرة القدم المحلية التي ارتبطت كل منها بإحدى العلامتين، وقد أشار البعض إلى أن انعدام العلاقة بين الأخوين امتد إلى حد دفنه كل منهما في مقبرة البلدة عند طرفيها وباتت رمزية الانقسام واضحة في ذلك  .

لم يكن الصراع محصورًا في القرية بل امتد إلى سوق الرياضة العالمي، إذ سعت كل شركة إلى التوقيع مع الرياضيين والمنتخبات الكبرى، ففي سبعينيات القرن الماضي حاولت الشركتان التعاقد مع أسطورة كرة القدم البرازيلي بيليه خلال كأس العالم 1970، واتفقا في البداية على عدم الدخول في حرب عروض، غير أن بوما خرق هذا الاتفاق وضم بيليه الذي طلب في مباريات البطولة إبطاء اللعب لربط حذائه مما بثَّ شعور العلامة لدى ملايين المشاهدين، الأمر الذي ساهم في تعزيز صورة بوما في سوق المستهلك العالمي، بينما أديداس ركزت على التطوير التقني مثل إدخال مسامير قابلة للتبديل في أحذيتها مما أعطاها ميزة في العديد من المنافسات الرياضية  .

مع مرور العقود تطورت كلتا الشركتين نحو إمبراطوريات عالمية في عالم الملابس والأحذية الرياضية، فصارت أديداس ثاني أكبر شركة في هذا القطاع عالميًا وتوسع نطاقها ليتضمن علامات فرعية وشراكات مع فرق ومنتخبات، أما بوما فقد استطاعت أن تحتفظ بهويتها وتشغل مكانة بارزة في التسويق الرياضي والموضة، وقد واجهت التحديات الاقتصادية في السنوات الأخيرة مما دفعها لإجراء تغيرات استراتيجية في إدارتها والإعلان عن تنصيب رئيس تنفيذي جديد في محاولة لتعزيز النمو في مواجهة المنافسة الشرسة، بينما تستمر أديداس في تحقيق نمو قوي في مبيعاتها عالمياً  .

على الرغم من مرور أكثر من سبعة عقود على لحظة الانفصال بين الأخوين، تظل المنافسة بين أديداس وبوما جزءًا لا يتجزأ من قصة صناعة الرياضة، فهي ليست فقط منافسة تجارية على الأسواق والرياضيين، بل هي سردٌ لتجربة إنسانية مركبة انطلقت من صراع عائلي لتؤسس إرثًا من التحدي والابتكار في عالم العلامات الرياضية الكبرى.