Contact Us
Ektisadi.com
تعليم وثقافة

لعنة الفرعون وتايتانيك

Titanic (google)

منذ غرق سفينة تايتانيك عام 1912، لم يتوقف الخيال الشعبي عن نسج روايات تحاول تفسير هذه الكارثة الإنسانية خارج إطار الخطأ البشري والطبيعة، وكان من أكثرها انتشاراً الربط بين غرق السفينة وما عُرف بـ«لعنة الفرعون». تقوم هذه الرواية على ادعاء أن جثمان فرعون مصري أو مومياء ذات طابع مقدس كانت على متن السفينة، وأن لعنتها هي التي تسببت في الكارثة، في سردية تجمع بين الغموض الشرقي والصدمة الغربية التي أحدثها غرق أعظم سفينة في عصرها.

تعود جذور هذه الأسطورة إلى ما يُعرف بـ«مومياء سوء الحظ» المحفوظة في المتحف البريطاني، وهي في الحقيقة غطاء تابوت خشبي لكاهنة مصرية من عصر الدولة الحديثة، وليس جثمان فرعون كما يُشاع. انتشرت حول هذه القطعة قصص عن حوادث متتالية أصابت من اقتنوها أو اقتربوا منها، وهو ما غذّته كتابات صحافية وأدبية في أواخر القرن التاسع عشر، خاصة في الصحف البريطانية التي كانت تميل إلى الإثارة وربط الاكتشافات الأثرية باللعنات الغامضة، كما أشار إلى ذلك عدد من مؤرخي علم المصريات.

مع غرق تايتانيك، وجد مروّجو هذه الحكاية في الكارثة أرضاً خصبة لربط الأحداث، فزُعم أن هذه المومياء نُقلت سراً على متن السفينة، رغم عدم وجود أي سجل شحن أو وثيقة تاريخية تؤكد ذلك. المتحف البريطاني نفسه نفى مراراً هذه الرواية، مؤكداً أن القطعة لم تغادر لندن قط، وهو ما ورد في بيانات رسمية للمتحف وفي دراسات أكاديمية تناولت تاريخ القطعة ومسارها منذ اكتشافها.

يُرجع الباحثون في علم الاجتماع الثقافي انتشار هذه الأسطورة إلى حاجة المجتمعات إلى تفسير الكوارث الكبرى بتفسيرات ماورائية، خاصة عندما تكون الصدمة أكبر من قدرة العقل الجمعي على تقبلها. فتايتانيك لم تكن مجرد سفينة، بل رمزاً لتفوّق الإنسان الصناعي، وسقوطها بدا لكثيرين كعقاب كوني على الغرور، وهو ما جعل فكرة اللعنة المصرية، بما تحمله من عمق حضاري وغموض ديني، تفسيراً جذاباً وسهل التداول، كما يذكر مؤرخو الثقافة الشعبية في دراساتهم عن الأساطير الحديثة.

في النهاية، تكشف قصة لعنة الفرعون وتايتانيك عن قوة السرد أكثر مما تكشف عن حقيقة تاريخية. فبين الوثائق البحرية، وشهادات الناجين، وتقارير لجان التحقيق البريطانية والأميركية، يتضح أن الغرق كان نتيجة اصطدام بجبل جليدي وسلسلة أخطاء بشرية وتقنية. أما اللعنة، فتبقى جزءاً من الفولكلور الحديث الذي يعكس خوف الإنسان من المجهول ورغبته الدائمة في تحميل المأساة معنى يتجاوز الواقع، حتى لو نفاه العلم والتاريخ.