مدارس “كلاسيكية” تبني المواطن: 250 ألف طالب خارج منطق السوق

يبدأ المشهد في صباح من شهر أيلول/سبتمبر 2023 داخل صالة الألعاب الرياضية في المدرسة الابتدائية التابعة لـ أكاديمية فاوندَرز الكلاسيكية في لويسفيل – تكساس، حيث يجتمع طلاب الصفوف من الروضة حتى الخامس يوميًا. في العادة، يلقي طلاب أحد الصفوف قصيدة محفوظة عن ظهر قلب. لكن ذلك اليوم صادف يوم الوطنيّة (Patriot Day)، وهو عطلة رسمية في الولاية، فتقدّم طلاب الصف الرابع لإلقاء ديباجة الدستور الأميركي كاملة، من عبارة «نحن شعب الولايات المتحدة» وصولًا إلى «نُقرّ ونُنشئ هذا الدستور للولايات المتحدة الأميركية». جلستُ على المدرّجات بين طلاب الصف الثالث، وصفّق الجميع بحرارة، وفق وول ستريت جورنال – الجمعة.
تأسست أكاديمية فاوندَرز عام 2012 في إحدى ضواحي دالاس، وهي أقدم مدرسة ضمن شبكة تضم 23 مدرسة «كلاسيكية»، تتركز غالبيتها في ولايتي تكساس وأركنساس. وتشكل هذه الشبكة جزءًا من منظومة آخذة في التوسع تضم نحو 275 مدرسة تشارتر كلاسيكية في أنحاء الولايات المتحدة. وعند احتساب المدارس الكاثوليكية والبروتستانتية الخاصة التي تصنّف نفسها على أنها كلاسيكية، يبلغ عدد الطلاب الملتحقين بهذا النوع من التعليم نحو 250 ألف طالب على مستوى البلاد.
يبقى هذا التوجه التعليمي غير معروف نسبيًا خارج ولايات الجنوب الأميركي، رغم كونه من أسرع إصلاحات التعليم نموًا في البلاد. ويُعدّ التعليم الكلاسيكي ظاهرة بارزة في الولايات ذات الغالبية المحافظة. أما بالنسبة لمنتقدين ليبراليين، فتمثل هذه المدارس بداية «حرب ثقافية» أوسع. فقد وصف تقرير صادر عام 2023 عن شبكة التعليم العام مصطلحي «كلاسيكي» و«تقليدي» بأنهما «صافرات كلب» تستهدف جذب عائلات محافظة ذات نزعات قومية مسيحية تسعى لإلحاق أبنائها بمدارس تعكس قيم ومناهج القرن العشرين المبكر والمتوسط.
يرفض مدير المدرسة، جيسون كاروس، اتهامات «القومية المسيحية»، لكنه يدافع بقوة عن القيم والمناهج التقليدية. ويعتبر كاروس وهيئة التدريس أن ما يقومون به مشروع مضاد للتيار السائد، في مواجهة ثقافة تعليمية تقدمية نفعية يرون أنها تطلب القليل من الأطفال وتقدّم لهم القليل بالمقابل. وتحمل المدرسة شعارًا لاتينيًا هو: العلم، الفضيلة، والحرية. ولا تقدّم فاوندَرز مادة تحمل اسم «التربية المدنية»، لأن غايتها الأساسية هي بناء المواطن.
تُجسّد هذه الفلسفة صباحًا آخر في صف اللغة الإنجليزية للصف السادس الذي يدرّسه دانيال بيشوب. عُلّقت على باب الصف قوس خشبي كتب عليه: «غايوس قيصر: الاستعداد للنصر»، في إطار التحضير للعرض الروماني السنوي. وبعد نقاش قصير حول الأزياء والرموز الرومانية، طلب بيشوب من الطلاب الوقوف لإلقاء سوناتة شكسبير رقم 65، التي تبدأ بـ «لا النحاس، ولا الحجر، ولا الأرض…». ألقاها الطلاب بإتقان، بعد أن سبق لهم تحليل مفرداتها وصورها البلاغية المعقدة.
ينتقل الدرس بعد ذلك إلى فقرة oratio، أي العرض الشفهي. كان الطلاب يقرأون رواية «الكونت دي مونت كريستو»، فتطوّعت إحدى الطالبات لتلخيص الفصل. وعندما تحدثت عن «الهوية الزائفة» كأحد المحاور الأساسية، لفت بيشوب الانتباه إلى اسم «كونت مورسرِف»، موضحًا أن معناه يمكن أن يكون «الغزال الميت»، وسأل إن كان لهذا الرمز حضور في الأساطير. وسرعان ما استحضر الطلاب قصة الإلهة أرتميس التي حوّلت أكتايون إلى غزال فمزّقته كلاب الصيد. هكذا تجسّد نموذج فاوندَرز المصغّر: معرفة كلاسيكية، بحث عن الحقيقة والجمال، حفظ، خطاب علني، وحماسة فكرية.
تعود أحاديث المعلمين مرارًا إلى المقارنة بين التعليم الكلاسيكي والتعليم «التقدمي»، لا بالمعنى السياسي، بل التربوي. لم تُذكر مصطلحات مثل «العرق النقدي» أو «اليقظة» أو أسماء سياسيين. بل انصبّ الاعتراض على تركيز التعليم الحديث على السوق و«الجاهزية للجامعة».
يستذكر كاروس استياءه الشديد عندما سمع عن مدرسة يجتمع فيها المعلمون أسبوعيًا لتحليل نتائج الاختبارات ووضع خطط فردية لكل طالب وهو نهج يُعدّ متطورًا في كثير من المدارس. وكان تعليقه: «لا يمكنك أن تُدرّس محتوى جميلًا في مدرسة تعمل بهذه الطريقة».
يشير النص إلى المفارقة التاريخية في أن جون ديوي، أحد رواد التعليم التقدمي، كان معاديًا للنزعة النفعية المهنية، معتبرًا إياها غير ديمقراطية. ومع ذلك، يبدأ التعليم التقدمي من اهتمامات الطفل، لا من جوهر المادة الدراسية، ويسعى إلى تحقيق الذات الفردية. أما التعليم الكلاسيكي، فلا يضع الاستقلال الفردي كقيمة عليا، بل يتبنّى مفهوم أرسطو عن «الازدهار الإنساني»، ويرى التعليم تدريبًا عقليًا وأخلاقيًا. وكما كتب أرسطو في «السياسة»: يجب تعليم الأطفال لا لما هو نافع فحسب، بل لما هو نبيل وجدير بالإنسان الحر.
تعكس فاوندَرز لويسفيل مجتمعًا اختياريًا؛ فالقبول يتم بالقرعة، لكن المتقدمين هم من اختاروا هذا النموذج. ورغم أن دالاس مدينة محافظة، فإن الطلاب ليسوا من النخبة. فمتوسط الدخل أقل قليلًا من المعدل الوطني البالغ 74 ألف دولار. ويشكّل البيض 45% من الطلاب، والآسيويون 22%، واللاتينيون 20%، والسود 7% من أصل 935 طالبًا.
تجذب الصرامة والانضباط والعزلة عن ثقافة الأقران والبوب كثيرًا من العائلات المهاجرة. ووفق دراسة عام 2023، ارتفع الالتحاق بالمدارس الكلاسيكية في تكساس سبعة أضعاف خلال عقد، مع نمو أسرع بين الآسيويين واللاتينيين مقارنة بالبيض.
يعترف المقال بأن هذا النموذج لا يناسب الجميع؛ فقد يشعر الطلاب المثليون أو المتحوّلون جنسيًا أو غير المنصاعين بالضيق. ولا يمكن اختزال التنوع الأميركي في نموذج تعليمي واحد.
يُقرّ في المقابل بأن أنصار التعليم الكلاسيكي محقون في انتقاد إخفاقات التعليم التقليدي؛ فطلاب الصف السادس نادرًا ما يقرؤون روايات كاملة، وطلاب الثانوية لا يُطلب منهم السعي وراء الجمال والحقيقة. ويختتم كاروس بالقول:
«إذا أردنا الحفاظ على حرياتنا الفردية والاجتماعية والازدهار كشعب، فلا بد من مواطنين متعلمين وذوي فضيلة»، وفق وول ستريت جورنال – الجمعة.




