Contact Us
Ektisadi.com
تعليم وثقافة

الدولة العميقة: السلطة الخفية التي تحكم من وراء الستار

A299A2BF-10C0-40B4-99FD-7033CEFC3B16

الدولة العميقة

يستَخدم مصطلح "الدولة العميقة" لوصف شبكة غير مُعلنة من مراكز النفوذ داخل الدولة، تعمل بصورة موازية للمؤسسات الدستورية المعلنة، وتمتلك القدرة على التأثير في القرارات الكبرى بغضّ النظر عن تغيّر الحكومات أو نتائج الانتخابات. لا يشير المفهوم إلى كيان واحد متماسك بقدر ما يدل على تداخل مصالح بين أجهزة أمنية وبيروقراطيات راسخة ونخب اقتصادية وإعلامية، ما يجعل السلطة الحقيقية في كثير من الأحيان موزّعة في الظل لا على سطح المشهد السياسي.

ظهر المصطلح بصيغته الحديثة في تركيا خلال تسعينيات القرن الماضي لوصف العلاقة المعقّدة بين الجيش وأجهزة الأمن والقضاء وبعض الشبكات الاقتصادية، وقد تناولته الصحافة التركية والأكاديمية على نطاق واسع، قبل أن ينتقل المفهوم إلى سياقات دولية أخرى. الباحث الأميركي بيتر ديل سكوت، في كتابه "The American Deep State"، وسّع الإطار النظري للمفهوم، معتبراً أن الدولة العميقة تتجلّى حين تتقاطع المصالح الأمنية والاقتصادية مع سياسات خارج نطاق الرقابة الشعبية، وهو طرح ناقشته مجلات أكاديمية مثل "Journal of Democracy" و”Third World Quarterly”.

تعمل الدولة العميقة غالباً عبر أدوات قانونية ظاهرياً لكنها مُفرغة من روح المساءلة، مثل القوانين الاستثنائية، والسرية المفرطة في الملفات الأمنية، والتأثير غير المباشر في الإعلام والرأي العام. وقد تناولت صحف دولية كـ”The New York Times” و”The Guardian” هذا النمط عند تحليلها لفضائح التجسس أو النفوذ السياسي غير المعلن، مشيرة إلى أن الخطر لا يكمن في وجود مؤسسات قوية بحد ذاتها، بل في غياب الشفافية وتراكم السلطة دون رقابة ديمقراطية فعّالة.

في الدول النامية أو الخارجة من نزاعات، تتخذ الدولة العميقة شكلاً أكثر حدّة، إذ ترتبط أحياناً بإرث الانقلابات أو الحروب الأهلية، فتتحول بعض الأجهزة إلى “دولة داخل الدولة”. يشير المفكر السياسي تشالمرز جونسون، في تحليلاته حول الإمبراطوريات الحديثة، إلى أن تضخم الأجهزة الأمنية والعسكرية قد يؤدي إلى انحراف تدريجي في طبيعة الحكم، حيث تصبح حماية المصالح الذاتية أولوية تتقدّم على الصالح العام.

مع ذلك، يحذّر عدد من الباحثين من الاستخدام التبسيطي أو الشعبوي للمصطلح، إذ يمكن أن يتحول إلى أداة لتفسير كل فشل سياسي أو اقتصادي بنظرية مؤامرة شاملة. لهذا تؤكد دراسات صادرة عن مراكز أبحاث مثل “Brookings Institution” أن فهم الدولة العميقة يجب أن يكون نقدياً ومتوازناً، يفرّق بين النفوذ المؤسسي المشروع وبين الشبكات التي تعمل خارج إطار الدستور والقانون.

في المحصلة، لا تُعدّ الدولة العميقة أسطورة خيالية ولا حقيقة مطلقة واحدة، بل ظاهرة معقّدة تتغيّر أشكالها باختلاف السياقات السياسية والاجتماعية. مواجهتها لا تكون بالشعارات، بل بتعزيز استقلال القضاء، وحرية الإعلام، وشفافية القرار العام، وهي أدوات تؤكدها التجارب الديمقراطية التي وثّقتها دراسات مقارنة في العلوم السياسية. حين تُضاء غرف السلطة المعتمة، يتراجع نفوذ الظل، ويستعيد المجتمع حقه في معرفة من يحكمه وكيف.