Contact Us
Ektisadi.com
أدب

ما بقي منا بعد الفراق

فدى الحاج
8 يناير 2026
الكاتبة فدى الحاج (إقتصادي.كوم)

الكاتبة فدى الحاج (إقتصادي.كوم)

لم نغب دفعة واحدة. الغياب جاء متدرّجًا، كصدإٍ بطيء على أشياء لم نكن نظنّها قابلة للتأكّل: ضحكتنا الأولى، طريقة نطق الأسماء، سر السعادة حين تجمعنا المصادفة.

حين رحلتَ، لم تأخذ قدميك فقط، بل أخذت احتمالًا يعيدني إلى نفسي، احتمال أن أستيقظ على صوت يهتف باسمي بخفة، وأن النهايات ليست شرطًا للحياة.

كنت أتعامل مع الفراغ ككائن حي، أطعمه ذكريات، ليكبر، ومن ثم يلتهمني على مهل.

الغياب لم يكن غيابًا عاديًّا.

كان للروح غيابها أيضًا، تصعد مع كل شهقة، لتختنق بالزفير. طريقها لم يكن ممهدًا، مشاعر كانت مؤجلة، وجمل لم تقل، إلى أن ترتطم بكل من حولها عند كل بداية جديدة.

مرّت الأيام، لم أعد أنتظرك، كنت أكتفي بكتابة الرسائل على ورق ملون، أملأها بالكلمات التي تناسبني، وأخبئها في درج مكتبي، لأعود إليها كلما افتقدتك.

كنتَ حاضرًا في تلك الرسائل أكثر مما كنت في الواقع، أخاطبك كما لو أنك تقرأ، أعاتبك بهدوء، وأخبرك عن أشياء لا تهمّ أحدًا سواي. عن يومي الذي يمرّ بلا علامة، عن القهوة التي صارت أثقل وزادت مرورتها، وعن الطرق التي أسلكها وحدي بعدما اعتدنا أن نضيع فيها معًا.

في إحدى الأمسيات، اخترت رسالة عشوائيًّا، قرأتها بصوت منخفض، كأنني أخاف أن يسمعني الغياب. أضحك أحيانًا وأصمت طويلًا، ثم أعيدها إلى مكانها، لم أكن أبحث عنك، كنت أدرّب نفسي على أن أراك من دون أن أنهار.

تعرّفتُ بعدك إلى صبرٍ لم أكن أعرفه؛ صبرٍ يشبه الجلوس في غرفةٍ تغيّر أثاثها، وأصبحت جدرانها تشبه لون الأيام مع عدمك. صرتُ أعرف كيف أبدأ يومي من دون أن أفكّر كيف سينتهي معك، وكيف أؤجل الحنين إلى المساء، لأعيد ترتيب قصصي من جديد.

أوّل مرة لم أسألك في رسائلي عن أخبارك، كنت أسأل نفسي، كتبت عني، عن تعثري ونهوضي، عن تلك المسافات التي كبرت بين اسمك وقلبي من دون أن أكرهك.

ما تبقى منا بعد الفراق، لم يكن وعدًا مكسورًا، ولا حكاية ناقصة، كان زمنًا تعلّمتُ فيه كيف أراك من بعيد، كيف أكتبك من دون أن أطالبك بالعودة، وكيف أترك لك مكانك في الذاكرة.