زحمة السير برعاية القمامة


الكاتب وليد حسين الخطيب (إقتصادي.كوم)
من هنا، في لبنان، ينهض الناس – وأقصد بهؤلاء مَن لا يتبعون أحدًا وليس لهم ولاء لأي زعيم ولا يهمّهم إلا أن يعيشوا بشكل طبيعي في مكان طبيعي - باكرًا وهم يحسبون الدقائق والثواني قبل أن تتحوّل إلى مخالفات وتأخير واعتذارات لا تنتهي.
ومن هناك، تستيقظ شاحنات القمامة في ذروة الصحو العام، كأنّها لا تعرف النوم إلا على الطرقات حين نكون جميعًا مستيقظين ومستعجلين.
من هنا، موظفون يتسابقون مع الوقت، وطلاب يلاحقون جرس المدرسة، وسائقون يعضّون على المقود غيظًا.
ومن هناك، شاحنة ضخمة تقف بثقة في منتصف الطريق، ترفع المستوعب ببطء فلسفي، تفرغه بتؤدة ناسك، ثم تعيده كأنّها تؤدّي طقسًا تأمليًّا لا يجوز استعجاله.
من هنا، ازدحام فوق ازدحام، وصاخة أبواق تصمّ الآذان، وأعصاب تُسحق في الطرقات.
ومن هناك، شركة تنظيف – يعقد القائمون على البلد صفقات معها - يبدو أنها اختارت التوقيت بعناية كبيرة: لا فجرَ هادئًا، ولا ليل خاليًا، بل ساعة الذروة – علمًا أنّ كل ساعة في لبنان هي ساعة الذروة - لأن القمامة – في ما يبدو – تحبّ الجمهور كما يحب زعماء لبنان التعامل مع مَن يرونهم يشبهونها!
لسنا – في الأقلّ نحن - ضدّ النظافة، حاشا وكلا، فهي عنوان المدن الحيّة وعنوان التقدّم والرقي والحضارة! لكننا نتساءل فقط: ألا تُرفَع القمامة إلا حين نكون في أقصى حالات الاستعجال؟! وهل الطريق لا يستقيم إلا إذا انسدّ؟!
من هنا، مواطن يحلم بشوارع نظيفة وسيرٍ سلس وأعصاب هادئة.
ومن هناك، إدارة تؤمن بأن أفضل وقت للتنظيف هو أسوأ وقت للجميع!
ويبقى السؤال معلّقًا في الهواء، مع رائحة العوادم والنفايات وبقايا الصبر: أليس من حقّنا أن تُرفع القمامة… من دون أن تُرمى أعصاب الناس في المزابل معها؟!
ملاحظة: المقالات التي ينشرها "إقتصادي.كوم" هي دوماً على مسؤولية كتّابها، ولا تعكس بالضرورة رأي الموقع.



