الماسونية بين الأسطورة والواقع


الماسونية (الانترنت)
لطالما شكّلت الماسونية واحدة من أكثر الظواهر إثارة للجدل في التاريخ الحديث، ليس بسبب وجودها بحد ذاته، بل بسبب الغموض الذي أحاط بطقوسها وبنيتها التنظيمية، ما فتح الباب واسعًا أمام سرديات عن “مخططات خفية” تتحكم بمسارات السياسة والاقتصاد والثقافة. يعود تأسيس المحافل الماسونية الحديثة إلى أوروبا في القرنين السابع عشر والثامن عشر، في سياق كان يحتفي بالعقلانية والتنوير، وهو ما تؤكده دراسات تاريخية منشورة في الموسوعة البريطانية التي ترى في الماسونية شبكة أخوية رمزية هدفت إلى تعزيز القيم الأخلاقية والعمل الخيري أكثر من كونها جهازًا سريًا لإدارة العالم. غير أن السرية الجزئية في العضوية والطقوس جعلت منها مادة خصبة للتأويل والاتهام.
مع تصاعد النفوذ السياسي والاقتصادي للنخب في القرن التاسع عشر، بدأت تُنسب إلى الماسونية أدوار تتجاوز حجمها الواقعي، فظهرت كتب ومنشورات تتحدث عن اختراقها للمؤسسات والدول. يشير الباحث الأمريكي مايكل باركون، المتخصص في نظريات المؤامرة، إلى أن المجتمعات تميل في أوقات الأزمات إلى البحث عن “فاعل خفي” تضع عليه مسؤولية الفوضى، وغالبًا ما تكون التنظيمات السرية أو شبه السرية الهدف الأسهل. من هنا تحوّلت الماسونية في المخيال الشعبي إلى رمز للقوة غير المرئية، لا بسبب أدلة دامغة، بل نتيجة تراكم سرديات غير موثقة أعادت إنتاج نفسها عبر الأجيال.
أما ما يُعرف بـ“المخططات الخفية”، فيرتبط في أغلبه بنصوص وادعاءات لم تصمد أمام البحث الأكاديمي. المؤرخ الفرنسي بيير-إيف بوريه يوضح في دراساته عن الحركات الأخوية أن الماسونية ليست كيانًا موحدًا ذا قيادة عالمية، بل محافل مستقلة تختلف في توجهاتها وأهدافها من بلد إلى آخر، وهو ما يتناقض مع فكرة التخطيط المركزي الشامل. كذلك يلفت الكاتب الإيطالي أمبرتو إيكو في روايته الفكرية “مقبرة براغ” إلى خطورة الخلط بين الأدب التآمري والبحث التاريخي، حيث تتحول الرموز إلى “أدلة” في ذهن القارئ رغم افتقارها لأي سند واقعي.
رغم ذلك، لا يمكن إنكار أن بعض الشخصيات السياسية والثقافية كانت منتمية إلى محافل ماسونية، وهو ما يُستغل غالبًا لتغذية الشكوك. غير أن المؤرخين، ومنهم مارك فينستر المتخصص في تحليل خطاب المؤامرة، يؤكدون أن الانتماء الفردي لا يعني بالضرورة وجود مشروع سري جماعي، وأن ربط الأحداث الكبرى بتنظيم واحد يبقى تبسيطًا مخلًا للتاريخ وتعقيداته. فالتأثير الحقيقي في العالم الحديث، بحسب أغلب الدراسات الاجتماعية، نتاج تداخل مصالح اقتصادية وسياسية علنية أكثر منه مؤامرات محكمة في غرف مغلقة.
في المحصلة، تبدو الماسونية مثالًا كلاسيكيًا على كيف يمكن للسرية الجزئية والرمزية أن تتحول إلى أسطورة كبرى. وبينما يستمر الجدل حولها، يميل البحث الرصين إلى التفريق بين الوقائع المثبتة والادعاءات غير المدعومة. فكما تشير الموسوعة البريطانية وأبحاث علم الاجتماع السياسي، فإن فهم الظواهر المعقدة يتطلب نقد المصادر والتعامل بحذر مع السرديات الجاهزة، لأن الخطر الحقيقي لا يكمن في تنظيم غامض بقدر ما يكمن في قابلية المجتمعات لتصديق كل ما يُقال باسم “المخطط الخفي”.




