اللغة العربية الفصحى في عصر الإعلام الرقمي


في عصر الإعلام الرقمي، الذي يتميز بسرعة الانتشار وتنوع المنصات، اكتسبت اللغة العربية الفصحى أهمية كبيرة كأداة أساسية لنقل المعرفة والمعلومات، ولتعزيز التواصل بين الأفراد والمجتمعات العربية على مستوى واسع. فقد انتقلت الفصحى من كونها لغة الكتب والمجلات والصحف التقليدية إلى الفضاء الرقمي الواسع، حيث أصبحت محوراً للتفاعل على مواقع الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، ووسيلة لتعميق الفهم لدى الجمهور. وأظهرت دراسات جامعة الملك سعود أن استخدام الفصحى في المحتوى الرقمي يسهم بشكل مباشر في رفع جودة الرسالة الإعلامية، ويحد من سوء الفهم الناتج عن استخدام اللهجات المحلية أو المصطلحات الغامضة
وتلعب الفصحى دوراً محورياً في بناء وعي الجمهور، إذ تمكن المتلقي من استيعاب الأفكار والمعلومات بدقة وتحليلها بموضوعية، كما أنها تحافظ على مستوى رفيع من الثقافة اللغوية والمعرفية. فقد أشارت دراسة أجرتها اليونسكو حول الإعلام الرقمي والهوية الثقافية إلى أن استخدام الفصحى يسهم في تعزيز الانتماء للهوية العربية، ويشكل حاجزاً ضد زحف المحتوى الرقمي العشوائي الذي قد يسيء إلى التراث والقيم الثقافية. كما أن الفصحى الرقمية تمثل جسراً بين الماضي والحاضر، بين الأجيال القديمة التي نشأت على الكتب والمقالات التقليدية، والشباب المعاصر الذي يتعامل مع الوسائط الرقمية والوسائل التفاعلية.
على صعيد التأثير الاجتماعي، يظهر جلياً أن الفصحى الرقمية تعزز من قدرة المجتمع على التفاعل مع الأخبار والأحداث المعاصرة بطريقة عقلانية ومنهجية، فتمنح المصداقية للرسالة الإعلامية، وتقلل من انتشار الأخبار الكاذبة أو المفاهيم المغلوطة. ويؤكد الدكتور ناصر العمر في كتابه “اللغة العربية والتكنولوجيا” أن الفصحى في الإعلام الرقمي أصبحت أداة استراتيجية للتأثير على الرأي العام، حيث تمكن من صياغة محتوى ذو قوة إعلامية كبيرة، يعكس الجدية والاحترافية، ويحث الجمهور على التفكير النقدي وتحليل المعلومة قبل تبنيها.
لكن الفصحى الرقمية تواجه تحديات حقيقية، أبرزها انتشار اللهجات المحلية والأساليب العامية على منصات التواصل الاجتماعي، والتي تمثل لغة الحياة اليومية للمستخدمين، وتتميز بالسرعة والبساطة. ورغم ذلك، يرى خبراء اللغة والإعلام أن الجمع بين الفصحى واللهجات المحلية بطريقة مدروسة يمكن أن يشكل نموذجاً إعلامياً متوازناً، يجمع بين الرسمية والجاذبية، ويضمن وصول الرسالة لأكبر عدد ممكن من الجمهور دون فقدان القيمة اللغوية والثقافية.
علاوة على ذلك، تشير الدراسات إلى أن اللغة العربية الفصحى في الفضاء الرقمي تساهم في تعزيز الثقافة المجتمعية من خلال إثراء المحتوى المعرفي، وتشجيع الإنتاج الإبداعي في مجالات الإعلام الرقمي مثل المقالات العلمية، والمدونات التعليمية، والمحتوى المرئي والسمعي الرقمي. كما أن الاهتمام بالفصحى الرقمية يعكس حرص المؤسسات الإعلامية على الحفاظ على هوية اللغة واللغة الرسمية في بيئة تتسم بالعولمة والتعددية الثقافية، وهو ما يدعمه الباحثون في معهد قطر للبحوث، حيث أكدوا أن استدامة اللغة الفصحى في الإعلام الرقمي ترتبط بقدرتها على التكيف مع أدوات العصر الرقمي الحديثة، مثل منصات الفيديو القصير والبودكاست والمدونات الإلكترونية.
وفي ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن اللغة العربية الفصحى في عصر الإعلام الرقمي ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي عنصر ثقافي وفكري حيوي يسهم في بناء مجتمع واعٍ ومثقف، يحافظ على هويته ويتفاعل بفعالية مع تحديات العصر الحديث. فهي تمنح الجمهور القدرة على التمييز بين المعلومة الصحيحة والمغلوطة، وتغرس قيم النقد والتحليل، كما تشكل قناة لإحياء التراث اللغوي والثقافي العربي، مع تطوير محتوى رقمي يتوافق مع احتياجات الجيل الجديد دون المساس بجوهر اللغة.




