Contact Us
Ektisadi.com
مقالات

العقل الجافّ أخطر من الطريق المبتلّ

الكاتب وليد حسين الخطيب (إقتصادي.كوم)
1
2
1 / 3

الكاتب وليد حسين الخطيب (إقتصادي.كوم)

من هنا… من مكانٍ كان يومًا هادئًا، لا تسمع فيه غير وقع الخطى وهزيز النسيم إذا عبر، قررت البلدية – مشكورة – أن تشق طريقًا. والطريق، كما نعلم، نعمة إذا أُحسن التفكير فيه، ونقمة إذا أُسند أمره إلى حسن النيّات وحده.

شقّت الطريق، فقصّر المسافات، وفتح على الناس بابًا جديدًا نحو الطريق العام. قلنا: لا بأس. الضجيج يُحتمل إذا كان في خدمة المصلحة العامّة. لكن المصلحة العامة، للأسف، توقفت عند أول "طلعة" قاسية، أمام بيتي تمامًا، حيث يبدأ موسم الشتاء، ويزداد معه موسم الغباء.

"طلعة" يعرفها كل من يمرّ بها. يعرف صعوبتها، ويعرف أن "دواليبه" المهترئة لا تصلح لها، ويعرف أن المطر سيحوّلها إلى زلّاقة عامة… ومع ذلك، يصرّ. يضغط على البنزين، تنزلق السيارة، و"تزحط الدواليب"، ويُفتح مهرجان الأبواق، ويعلو الصراخ، ويُقفل الطريق. النازل لا يستطيع النزول، و"الطالع" لا يعود قادرًا على "الطلوع"، والجميع عالق… إلا الغباء، فهو وحده يمشي بسلاسة.

المشهد يتكرر كل شتاء، بلا تعديل، بلا صيانة، بلا تزفيت، بلا خجل... السائقون لا يبدّلون "دواليبهم"، والبلدية لا تسأل عن "الطلعة"، والجميع يجرّب الحظ ذاته، بالطريقة ذاتها، متوقعين نتيجة مختلفة. وهنا، لا بد أن نستحضر القول الذي يُنسب إلى أينشتاين: "الغباء هو أن تكرّر الشيء نفسه مرارًا وتكرارًا، وتتوقّع نتيجة مختلفة".

والأطرف – أو الأشد إيلامًا – أن هؤلاء السائقين لو غيروا الطريق، لو "داروا" دورة أطول قليلًا، لو فكّروا دقيقة واحدة، لوصلوا أسرع، ولما سدّوا الطريق، ولا أقفلوا بوابة المبنى الذي أقطن فيه، ولا جعلوا ساكنه يقف في طابور سيارات ليصل إلى بيته وهو على بعد أمتار منه.

وهنا نتعلّم درسًا جديدًا في علم الازدحام: لا تحتاج إلى جرافات، ولا إلى شاحنات، ولا إلى حفريات، لتصنع زحمة خانقة. يكفيك فقط أن تكون غبيًّا… ومصرًّا.

ومن هناك… من شتاء يتكرّر، نفهم أن ثمّة طرقًا لا تحتاج إلى توسيع، بل إلى عقل. وأن بعض "الطلعات" لا تُعالج بالزفت وحده، بل بقليل من الحكمة، وكثير من التوقّف عن تكرار الخطأ، على أملٍ مجبول بالغباء.

الطريق، كالحياة، لا يُقاس بطوله بل بحسن اختياره. ومن يصرّ على الصعود حيث لا يصلح الصعود، لا "يعلّق" إلا نفسه والآخرين. أما المناطق، فتبقى عالقة بين مطر لا ذنب له، وناس يرفضون أن يغيّروا الاتجاه.

في النهاية، المشكلة ليست في المطر، ولا في "الطلعة"، ولا حتى في الطريق. المشكلة في هذا الإصرار العجيب على تحويل الخطأ إلى عادة، والعادة إلى حق مكتسب. فثمّة أشخاص لا يتعلّمون من التجربة، لأنهم يظنّونها مؤامرة من الطقس. وهكذا، كل شتاء، نكتشف أن الغباء لا يصدأ… بل يتجدد مع أول قطرة مطر.




ملاحظة: المقالات التي ينشرها "إقتصادي.كوم" هي دوماً على مسؤولية كتّابها، ولا تعكس بالضرورة رأي الموقع.