Contact Us
Ektisadi.com
مقالات

حين يخطّط الآخرون لحياتك بدلاً عنك

زينب عوالي
2 يناير 2026
زينب عوالي (إقتصادي.كوم)

زينب عوالي (إقتصادي.كوم)

كثيراً ما نسمع أقوالاً قد تكون ناتجة من حرص أو خوف أو اهتمام، أو حتى عن "حشرية" من الآخرين. وأكثر هذه الأقوال تُوجَّه للفتاة التي ما لبثت أن فتحت عينيها على الحياة.

فمنذ الصغر، نسمع عبارة "نفرح فيكي وتصيري أحلى عروس". وتتطوّر هذه العبارة عندما نصبح في عمر الشباب: "شو ما في شي عريس". وكلما كبرنا، تزداد الأسئلة والنصائح: "بكرا بيفوتك القطار"، "مش ناوية تتزجوّزي؟"، "لحقي حالك بكراً بتعنسّي"، "ما في شي هيك هيك؟"، فيما يُقال للفتاة المخطوبة: "أيمتى ناويين تعملوا عرس"، "بلشتوا تجهّزوا أو بعد؟". أما للعروس، فالنصائح والأسئلة تكون على نحو مختلف: "مش ناوية تجيبي ولد عَ بكير؟"، "جيبيهم كلهم عَ بكّير بترتاحي". وبعد أوّل طفل تتبدّل العبارة فتصير: "أيمتى ناوية تجيبيلوا خي؟".

نسمع الكثير مثل هذه العبارات التي تكون في بعض الأحيان خانقة للشخص الآخر، وقد يتقبلها البعض على أنها نوع من الحرص والاهتمام. لكن ما لا يمكن تقبله هي هو أن الأشياء لا تسير على نحو ما نريد، والحياة ليست على مزاجنا، فالفتاة التي لم تجد عريساً بعد من قال أن القطار سيفوتها؟ أو بالأحرى من هو الذي اخترع ذلك القطار اللعين ليُحدّد ما إذا كان قطار الزواج قد فاتها أم بعد؟

ما يمكن أن ينتج عن تلك العبارات هو التسرّع في قرار الزواج من دون أدنى معايير التفكير في مسؤولية تكوين حياة زوجية. فالزواج ليس طبخة نأكلها اليوم ونطهو غيرها غداً، إنما هو عملية اختيار شريك العمر لحياة أبدية من أجل تكوين عائلة منها يمكن إنتاج مجتمع مصغّر يكون فاعلاً في حضوره وتأثيره داخل الدائرة الاجتماعية الأوسع.

في إحدى المرّات التي كنت أفكر فيها بمسؤولية الزواج، قمت بعملية حسابية صغيرة، فقد حسبت ما نتج عن زواج جدّي وجدّتي من أبناء وأصهار وكَنائن وأحفاد. فقد كانا شخصين أنجبا سلالة من 125 شخصاً، والعدد، طبعاً، آخذ في الازدياد. يتضح، بالنتيجة، أن الزواج ليس عبارة عن إعجاب بشخص والرغبة في قضاء الوقت معه ومشاركته تفاصيل حياتي اليومية، بل مسؤولية تتجاوز ذلك بكثير. فالزواج ليس إلا نواة بدء تكوين مجتمع بطريقة سليمة وقصة نجاح، وبخلاف ذلك، يُفضّل ألا يكون العروسان سبباً في زيادة نسبة العاهات داخل المجتمع.

من أعطى الناس الحق في أن يبثّوا هذا الكم من الضغط النفسي على الآخرين، وهل الدافع فقط هو أنهم يريدون الاطمئنان عليهم؟ أن أتزوج كيلا يفوتني القطار، حسب ما يروّج مجتمعي، ثم أتطلق وبين يدي طفلان، هو أخطر بكثير من أن أتمعّن في اختيار شريك الحياة الذي سيرافقني طيلة العمر، فلا الجارة أو الخالة أو من كان ممن يُغدقون النصائح عليّ سيبقى معي في نهاية المطاف. أما العروس فهي أعلم بشؤونها أكثر من الآخر، وربما تريد أن تأخذ وقتها لتتأقلم مع شريك حياتها. فهي وزوجها من لديهما الحق في تقرير ما إذا كانا يريدان أن يُنجبا أطفالاً عاجلاً أم آجلاً.

التدخل في حياة الآخر ما هو إلا مرض مهيمن في مجتمعنا، ولم نستطع التخلص منه منذ عقود، وعلينا أن ندرك أن لكلٍّ ظروفه وواقعه واختياراته المستقلة، بعيداً من أقوال المجتمع. في الواقع، كل شخص أعلم من الآخرين بظروفه. لا ينبغي أن ندع هذه العبارات تعيق أي مسار في حياتنا لنستطيع أن نشقّ طريقاً خاصاً بنا بالطريقة التي نحب لا كما يريد محيطنا أن نفعل، فنحن أصحاب القرار ومن سيدفع ثمن خياراته.