نظرة واحدة تكفي


الكاتبة فدى الحاج (إقتصادي.كوم)
كان ذكر اسمه يُسكت الشارع، رجل لا يهاب أحدًا، يمشي بثقة، كأن الأرض تمهّد ترابها تحت قدميه.
في المواقف كان جبلًا، عيناه قاسيتان، لم يسمع له أحدٌ رجفة صوت، ولا تجرأ أحدٌ على أن يتخيّل أنه لن ينكسر يومًا، حتى جاء الحب...
دخلت حياتي كنسمةٍ خفيفة، ومن دون أي تحذير.
التقيتُ بها في المكان نفسه الذي اعتدت أن أعبره كل يوم، لكن شيئًا خفيًّا دفعني إلى الوجود هناك في تلك اللحظة بالذات.
كان فضولي يحفّزني على الانتظار، أراقب خطواتها، ونظراتها، وحتى كلماتها التي لا أسمع منها إلا القليل.
فجأة، تقدّمت نحوي وتمتمت بكلمات لم أفهمها، دنوتُ منها لأتبيّن ما تقول، وما إن رفعت رأسها ونظرت في عينيّ، حتى شعرت بدقّات قلبي تتسارع، والأرض تهتز تحتي. كاد صوتي يختنق!
كنت أتدثّر صرامتي درعًا، لكنها تبخرت أمام تلك النظرة، لأعود إلى ذاتي الدفينة التي نسيتها.
تسمّرت مكاني، كأنّ قدميّ اللتين كانت تهزّان الأرض ما عادت تحملاني، وأن روحي أصبحت فراشة تحوم حول الضوء.
بكل بساطة، كانت تلك النظرة كافية لتقلب عالمي رأسًا على عقب! كأنها وصلت إلى مكامن ضعفي التي لم أرغب في أن يعرفها أحد، إلى كل ما أخفيه وراء صرامتي.
قلت بصوت خافت، بالكاد سمعته نفسي... من أنتِ حتى تعرفيني قبل أن أتكلم؟!
ابتسمت ابتسامة خفيفة، لا تحمل أي تصنّع، وعادت تنظر إلى الأرض.
أول مرة، شعرت بأن كل القوة التي اعتدت أن أبنيها، وكل القساوة التي كنت أرتديها… ما هما إلا قناع يمكن أن ينهار أمام رجفة قلب.
رفعت رأسها، من جديد وقالت في صوت خافت، لكنه كان واضحًا في داخلي أكثر من أي صوت سمعته قبل: أتأذن لي بالوقوف بجانبك قليلًا؟
شعرت حينذاك بأن السؤال لم يكن عن المكان وحسب، بل عن الحياة كلّها.
تلعثمت مجددًا، وأجبت من دون تفكير، قليلًا، أو كثيرًا، لا أعرف، لكن نعم ابقي...
لم تكن تعلم أن بقاءها كان بداية انهيار كل شيء ظننت أني أحكمت بناءه.
كنت أظن أن القوة هي ما يصنع رجلًا مثلي، لكني أدركت أن القوة الحقيقية هي أن تجد من يرى ما خلف هذا الرجل، ويختار أن يبقى.
مرّت الأيام، لم نكن نحتاج إلى الكلام! كانت المسافات تباعد بيننا، لكن صدق المشاعر كان يقربنا كلما صمت العالم.
أصبحت على يقين أن ثمّةَ لقاءات لا تأتي لتكمل شيئًا، بل لتعيدك إلى نفسك؛ إلى ذلك الجزء الذي ضاع منك وأنت تحارب في الحياة.
لم أعد أخشى الانكسار، ولا أهرب من قلبي، ولا أتقنّع بقناع القوة كي أخفي خوفي.
تعلّمت أن الضعف ليس عيبًا، وأن القلب مهما حاولنا إسكات نبضه... يعرف طريقه!




