Contact Us
Ektisadi.com
إعلام وفنون

المخرجون العرب الذين غيّروا وجه السينما العربية

سينما

لم تكن السينما العربية يومًا مجرد وسيلة ترفيه، بل كانت مرآةً للتحولات الإجتماعية والسياسية، وصوتًا بصريًا للهويات الممزقة والأسئلة الكبرى. في قلب هذه الرحلة، برز عدد من المخرجين العرب الذين لم يكتفوا بصناعة أفلام ناجحة، بل أعادوا تعريف لغة الصورة العربية وفرضوا حضورها في المحافل العالمية، كما توثق ذلك دراسات المركز القومي للسينما في مصر وملفات مهرجانات دولية مثل كان وبرلين.

يُعدّ يوسف شاهين أحد الأعمدة المؤسسة للسينما العربية الحديثة، إذ نقل الفيلم العربي من الحكاية المباشرة إلى السينما المؤلفة، وفتح باب الجرأة في تناول السياسة والذات والهوية كما يظهر في أفلامه التي درستها مجلات سينمائية عالمية مثل Cahiers du Cinéma. تأثيره لم يكن فنيًا فقط، بل ثقافيًا، إذ صنع أجيالًا من المخرجين الذين رأوا في السينما موقفًا فكريًا لا مجرد مهنة.

وفي المغرب العربي، شكّل الطاهر شريعة ومرزاق علواش ملامح سينما واقعية جديدة، خاصة علواش الذي التقط تفاصيل الحياة الجزائرية بعد الاستعمار بلغة بسيطة وصادمة في آن، وهو ما أشار إليه نقاد مهرجان البندقية عند عرض أفلامه الأولى. هذه السينما نقلت الهامش إلى المركز، وجعلت الإنسان العربي العادي بطلًا حقيقيًا على الشاشة.

أما في مصر المعاصرة، فقد برز داوود عبد السيد كمخرج فلسفي بامتياز، اشتغل على الأسئلة الوجودية والسلطة والمعرفة، مستندًا إلى نصوص سينمائية رفيعة تناولتها دراسات أكاديمية منشورة في جامعات عربية وغربية. إلى جانبه، شكّل محمد خان علامة فارقة في ترسيخ الواقعية الجديدة، حيث جعل المدينة شخصية حية، وهو ما أكده نقاد السينما في أرشيف مهرجان القاهرة السينمائي الدولي.

وفي فلسطين، قدّم إيليا سليمان سينما صامتة صاخبة بالدلالات، استخدم فيها السخرية والفراغ ليحكي عن الإحتلال والهوية، حتى أصبحت أفلامه مادة تحليل دائم في الصحافة الثقافية الأوروبية، خاصة في تغطيات مهرجان كان. هذه التجربة أثبتت أن السينما العربية قادرة على ابتكار لغة عالمية دون التفريط بخصوصيتها.

السينما التونسية بدورها وجدت في فريد بوغدير صوتًا جمع بين الحس الشعبي والبعد الإنساني، بينما مثّل النوري بوزيد اتجاهًا جريئًا في كسر التابوهات الاجتماعية، وهو ما وثقته تقارير المعهد التونسي للسينما والسمعي البصري. هذه الأفلام لم تُحدث ضجة محلية فحسب، بل فتحت نقاشًا عربيًا واسعًا حول الحرية والهوية.

وفي لبنان، قدّم زياد دويري ونادين لبكي نماذج مختلفة لسينما ما بعد الحرب، الأولى تميل إلى الواقعية الخشنة، والثانية إلى الحس الإنساني القريب من الجمهور، وقد أشارت تقارير صحفية عالمية مثل The Guardian إلى أن أفلامهما أسهمت في إعادة تقديم الصورة اللبنانية للعالم بعيدًا عن الكليشيهات.

أما في سوريا، فقد مثّل عمر أميرالاي ضميرًا سينمائيًا نقديًا، استخدم الفيلم الوثائقي كسلاح فكري ضد القمع والزيف، وهو ما جعله حاضرًا بقوة في أرشيف مهرجانات حقوق الإنسان وكتابات نقاد عرب معاصرين. هذا الاتجاه أكد أن السينما العربية ليست حكرًا على الخيال، بل أداة مساءلة حقيقية.

إن تأثير هؤلاء المخرجين العشرة لا يُقاس بعدد الجوائز فقط، بل بقدرتهم على توسيع أفق المتلقي العربي، وفرض السينما العربية كخطاب فني وفكري على الساحة العالمية. وكما تؤكد كتب ودراسات تاريخ السينما العربية الصادرة عن مؤسسات أكاديمية متخصصة، فإن ما صنعوه لم يكن مجرد أفلام، بل ذاكرة بصرية ستبقى تؤثر في الأجيال القادمة، وتذكّر بأن الكاميرا العربية قادرة على أن ترى، وتفكر، وتغيّر.