حين يستحيل الحوار سلاحاً والسينما هوية


يُعدّ كوينتن تارانتينو واحدًا من أكثر المخرجين تأثيرًا وإثارة للجدل في تاريخ السينما الحديثة ليس فقط بسبب أفلامه العنيفة ظاهريًا بل لأنه أعاد تعريف العلاقة بين السيناريو والإخراج والجمهور منذ ظهوره في أوائل التسعينيات فرض تارانتينو أسلوبًا خاصًا جعله مدرسة قائمة بذاتها حيث لم تعد الأفلام تُقاس فقط بحبكتها بل بصوتها ونبض حواراتها وطريقتها في اللعب بالزمن والمرجعيات الثقافية يشير الناقد الأمريكي روجر إيبرت في أكثر من مراجعة منشورة في Chicago Sun-Times إلى أن تارانتينو لا يصنع أفلامًا عن الجريمة بقدر ما يصنع أفلامًا عن السينما نفسها وهي ملاحظة تختصر جوهر مشروعه الفني
بدأ تأثير تارانتينو فعليًا مع فيلمه Reservoir Dogs عام 1992 الذي قلب قواعد أفلام الجريمة منخفضة الميزانية معتمدًا على حوار طويل ومشحون بدلًا من مشاهد الحركة التقليدية هذا النهج الذي درسه لاحقًا باحثون في السينما المستقلة مثل جيف داير في مقالاته النقدية أثبت أن التوتر يمكن أن يُخلق بالكلمة والإيقاع لا بالصورة وحدها ثم جاء فيلم Pulp Fiction عام 1994 ليُحدث زلزالًا حقيقيًا في بنية السرد السينمائي إذ كسر الخط الزمني التقليدي وقدم قصة موزعة على فصول غير مرتبة وهو ما اعتبره كتاب Cinema Today الصادر عن British Film Institute لحظة مفصلية في تاريخ السرد غير الخطي داخل السينما التجارية
يتجلى تأثير تارانتينو بوضوح في أسلوبه الحواري الذي أصبح علامة مسجلة باسمه شخصياته تتحدث كثيرًا لكنها لا تثرثر عبثًا بل تكشف عن عالمها الداخلي وقسوتها وهشاشتها في آن واحد هذا الأسلوب ألهم جيلًا كاملًا من كتاب السيناريو وهو ما أشار إليه الناقد ديفيد بوردويل في دراساته حول تطور السينما المعاصرة حيث اعتبر أن تارانتينو أعاد الاعتبار للنص المكتوب في زمن كانت الصورة فيه تهيمن على كل شيء الحوار عنده ليس وسيلة لشرح القصة بل جزء من المتعة والهوية
أما العنف في أفلام تارانتينو فهو عنصر إشكالي لكنه مدروس إذ لا يُقدَّم بوصفه واقعيًا بقدر ما هو سينمائي ومبالغ فيه أشبه برقصة دموية تحمل طابعًا كاريكاتوريًا هذا الطرح تناوله كتاب Tarantino A Retrospective الذي نُشر عن دار Thames & Hudson حيث يرى مؤلفوه أن تارانتينو يستخدم العنف كأداة جمالية ونقدية في آن واحد مستلهمًا أفلام السبعينيات وسينما الاستغلال لكنه يعيد تقديمها بوعي معاصر كما يمتد تأثير تارانتينو أيضًا إلى إحياء مسيرات فنية كانت على وشك الأفول كما حدث مع جون ترافولتا في Pulp Fiction أو بام غرير في Jackie Brown وهو ما أشارت إليه مجلة Variety في تقاريرها التحليلية عن اختياراته التمثيلية
بالإضافة إلى ذلك يمتاز تارانتينو بقدرته على مزج الأنماط السينمائية المختلفة من الأكشن والدراما والكوميديا السوداء إلى السينما المستقلة بطريقة فريدة تجعل كل فيلم تجربة جديدة سواء من حيث البناء السردي أو التقنية البصرية أو الموسيقى المستخدمة وقد كتب النقاد مثل كينت جونز في مجلة Film Comment أن الموسيقى عند تارانتينو ليست مجرد خلفية صوتية بل عنصر محرك للسرد ووسيلة لتكثيف الانفعالات الدرامية وهو ما يظهر جليًا في مشاهد مثل رقصة جون ترافولتا وأوما ثيرمان في Pulp Fiction
في المحصلة لا يمكن الحديث عن السينما الحديثة من دون التوقف عند أثر كوينتن تارانتينو لأنه لم يغيّر شكل الأفلام فقط بل غيّر طريقة تلقيها وفهمها لقد جعل من السينما حوارًا مفتوحًا مع ماضيها ومن المخرج مؤلفًا كامل الصلاحيات ومن المشاهد شريكًا في اللعبة السردية تأثيره حاضر في عشرات الأفلام والمخرجين حول العالم وسيبقى اسمه مرتبطًا بلحظة أدركت فيها السينما أن الجرأة يمكن أن تكون أسلوبًا وأن الحب الحقيقي للفن قد يولد من مشاهدة الأفلام أكثر مما يولد من دراستها الأكاديمية ويستمر إرث تارانتينو في إلهام المبدعين الجدد في مختلف القارات حيث تحول أسلوبه في السرد والحوار والتصوير إلى مرجع لكل من يسعى إلى الجمع بين الابتكار والوفاء لتاريخ السينما.




