كم كنت أهواك


الكاتبة فدى الحاج (إقتصادي.كوم)
ودّعته عند محطة القطار في صباح بارد، كان يحمل حقيبة صغيرة وحلمًا كبيرًا، بينما هي كانت تحاول أن تبدو أقوى مما تشعر. قال لها إن الرحيل مؤقت، وإنه سيعود ومعه مستقبلًا مشرقًا لكليهما. صدّقته! أو ربما اختارت أن تقنع نفسها بتصديقه، لأن الحب في بداياته لا يعرف الشك.
مرّت السنوات ببطء، الحياة مستمرة، لكنها لم تمر كما يجب. كانت تراقب الوقت كمن ينظر إلى ساعة رملية، تشعر بها حبةً حبةً. إلى أن جاء اليوم الذي عاد فيه دون أن يخبرها.
رأته من بعيد، لم يكن وحده، كانت امرأة تمسك بيده، وطفلان يسيران أمامه.
لم تقترب. لم تسأل، فهمت كل شيء دون كلام.
بعد بضعة أيام، وفي لقاء لم يُحدَّد بموعد، التقيا في المكان الذي كان يجمعهما سابقًا، المكان كان صغيرًا، ليس كما كان يبدو من قبل، ربما الذكريات كانت تُضخّمه.
جلس أمامها، مرتبكًا، متوترًا، لا يجيد الكلام، كأن عليه أن يبرر عمرًا في دقائق قليلة.
بدأ يشرح. قال إن الغربة قاسية، وإن البقاء كان صعبًا دون استقرار. تحدث عن زواج لم يكن خيارًا بقدر ما كان ضرورة، وعن حياة فُرضت. كانت تستمع بهدوء، لا مقاطعة، ولا اعتراض، كأنها عاشت حالة الانتظار وحدها.
كانت تنظر إليه وهو يتحدث، لا إلى ملامحه، بل إلى المسافة التي نشبت بينهما. أدركت أن الغياب لم يكن في السنوات، بل في التفاصيل، في الصوت الذي لم يعد يوقظ شيئًا في داخلها.
توقف عن الكلام فجأة، كأنه ينتظر منها حكمًا، عتابًا، أو حتى دمعة تخفف عنه ثقل ما يحمله، لكن لم يتحرك لها ساكنًا. رفعت عينيها نحوه، لم يكن في نظراتها قسوة ولا حنين، فقط قالت بوضوح: لا شيء يشبه الوجع.
"كم كنت أهواك".
نهضت من مكانها، دون أن تلتفت خلفها، والحزن يعتصر قلبها، ليس على شخصه، إنما على وقت هدرته في الانتظار.
تابعت طريقها وهي واثقة بأن القلوب لا تُغلق أبوابها، لتمر الذكريات فقط، وأن النهايات لا تحتاج تفسيرًا، يكفيها أن تقال لمرة واحدة، ثم تنام خلفنا بسلام.




