تكريم طليع حمدان… صوت الذاكرة اللبنانية

تكريم وطني في قصر الأونيسكو احتفى بالشاعر الزجلي اللبناني طليع حمدان (الانترنت)
كتب الباحث اللبناني في الأدب والفكر الإنساني فاروق غانم خداج في إيكو وطن عن تكريم الشاعر اللبناني الكبير طليع حمدان:
في مساء العشرين من كانون الأول/ديسمبر 2025، احتضن قصر الأونيسكو في بيروت احتفالًا تكريميًا استثنائيًا للشاعر الزجلي الكبير طليع حمدان. لم يكن الحدث مناسبة رسمية يُمنح فيها وسام فحسب، بل كان احتفاءً عميقًا بذاكرة شعبية حيّة، واستعادةً لزمن شعري أصيل يتجاوز اللحظة إلى الجذور.
غمر المكان عبق لبنان القديم: قراه ووديانه، جباله التي تختزن حكايات الأجداد، فشعر الحاضرون بأن الكلمة لم تعد مجرد حروف، بل جسورًا نابضة تصل الحاضر بالماضي، وتُعيد للأدب الشعبي مكانته بوصفه ذاكرة جمعية حية.
لم يكن طليع حمدان شاعرًا عاديًا؛ بل كان نبض الناس ومرآة وجدانهم الجمعي. في زجله، تحوّلت الكلمات إلى كائنات حيّة تحمل حرارة المشاعر الإنسانية في أنقى صورها: فرحًا وحزنًا، وجع الوطن المشترك، وتفاصيل الحياة اليومية للناس البسطاء. في قصائده، تلتقي الأرض بالجبل والإنسان في مشهد شعري متكامل، حيث تتجاوز اللغة دورها التواصلي لتصبح مصافحةً للروح. ورغم غيابه الجسدي، ظل صوته يتردّد في القلوب، حاملًا إرثه الثقافي والعاطفي إلى الأجيال المتعاقبة.
وقد تجسّد جوهر هذا الوفاء في الأبيات التي ردّدها الحضور، والتي تختصر رؤيته الإنسانية التوحيدية العابرة للطوائف والمذاهب، نحو فضاء الانتماء الوطني المشترك:
"كون مسلم بالوفا معجون
ودرزي وروم وكون موراني
ما همني دينك شو بدو يكون
البهمني تحافظ على لبنان
ويكون دمك دم لبناني"
انطلق الحفل عند الخامسة مساءً، وملأت أجواء الذكرى أروقة القصر. وكان الحضور كثيفًا ولافتًا، إذ غصّت القاعة بالناس جلوسًا ووقوفًا، في مشهد يعكس حجم المحبة التي يكنّها اللبنانيون لطليع حمدان وللتراث الزجلي عمومًا. شعر الجميع وكأنهم يسافرون عبر الزمن إلى عصر الصدق الشعري، حين كانت الكلمة جسرًا بين القلوب قبل أن تُدوَّن على الورق.
أضفى المتحدثون أبعادًا وجدانية متعددة على الأمسية، كلٌّ بأسلوبه. فجاءت كلمة الشيخ نزيه صعب محمّلة بالحكمة ودفء الانتماء والوفاء للتراث الزجلي، فيما استعاد الشاعر أنطوان سعادة ذكريات الطفولة الأولى للزجل اللبناني مع طليع حمدان، مستحضرًا لحظات صافية من صوته الذي لا يزال حيًا في الوجدان.
وقدّم الروبورتاج المصوّر لمحات مؤثرة من حياة الشاعر، فعادت صور الماضي وصدى الكلمات ليحضرا بقوة. وألهب الشاعر شوقي بزيع مشاعر الحاضرين بأبياته، فيما أضاءت الوزيرة الدكتورة منال عبد الصمد، وسعادة النائب أكرم شهيب، ومعالي وزير الثقافة غسان سلامة على البعد الرسمي للتكريم، مؤكدين القيمة الوطنية للإبداع الشعبي ودوره في صون الهوية الثقافية.
وفي ذروة اللحظة العاطفية، اعتلت سحر، ابنة الشاعر، المنبر لتُلقي كلمة العائلة. جاءت كلماتها مشبعة بالحنين والفخر، يرتجف صوتها بين الذكريات، فشعر الحضور وكأن طليع حمدان حاضر بينهم، يبتسم في الزوايا ويهمس في القلوب، مؤكدًا أن إرثه مستمر وأن صوته لا يزال حيًا في كل بيت لبناني.
تضمّن البرنامج شهادات مؤثرة من شعراء وأصدقاء، رووا كيف كانت كلمة طليع تحفر في الوجدان قبل الصخر، وكيف استطاع بصوته الزجلي أن يعكس نبض الشارع وهمومه وآماله، محوّلًا البساطة والفطرة النقية إلى ملحمة تعبّر عن روح المجتمع بأصدق صورها.
وبلغت الأمسية ذروتها مع الأداء الحي لأبياته، حيث عاد صوت الزجل الخام والأصيل ليرنّ في أروقة القصر، حاملًا الحضور في رحلة عبر المشهد اللبناني. ومن أبرز نماذج إبداعه الشعري، أبيات غنّاها قديمًا الفنان جورج وسوف:
"ليلة وداعك بكيت النايات
وغنت معي عا لحن يا ويلي
رايحة ويا جوعة الغمرات
عا خصر لفو الزنبق شميلي..."
كما استُحضرت أبيات أخرى تحتفي بالطبيعة اللبنانية بكل جمالها:
"السلام عليك يا ليل التچلي
يا لابس ظل أبيض مثل ظلي
بعتم الفيك نورك صار ينزل
كأنوا البدر نازل بالمظلي
سمع تله عم تقلو تفضل
ووادي عم يقلو طل طلي
انربط زنار عالخصر المدلل
وهدي ما بين وادي وبين تلة؛"
ولم تقتصر عبقرية حمدان على قصائده المنفردة، بل تجلّت أيضًا في منازلاته الزجلية التي أهلته لنيل لقب "أمير المنبرين"، كما في أبياته الشهيرة من حفلة بيت مري في سبعينيات القرن الماضي:
"مع احترامي لشعر موسى وشعر زين
وزغلولنا الإسمو شمخ عالفرقدين
بعد بتجي الايام عهالجوقتين
وبدكم تشوفوني امير المنبرين"
وفي لحظة رمزية بالغة الدلالة، أعلن وزير الثقافة اللبناني منح طليع حمدان وسام الأرز الوطني من رتبة ضابط، في تكريم تجاوز قيمته البروتوكولية ليشكّل اعترافًا رسميًا بقيمة المبدع الشعبي، وجسرًا بين الدولة والوجدان الجمعي.
غادر الحاضرون القصر وهم يحملون إحساسًا متجددًا بأن التراث الزجلي ليس فنًا هامشيًا، بل تعبيرًا مركزيًا عن الهوية الوطنية، ومعادلًا شعريًا للوطنية الصادقة. إنه اللغة التي تجمع اللبنانيين على اختلافهم، وتعيد إليهم شعور وحدة المصير والذاكرة.
لم يكن تكريم طليع حمدان في قصر الأونيسكو حدثًا ثقافيًا عابرًا، بل تأكيدًا على دور الشعر الشعبي بوصفه حافظًا للذاكرة وصانعًا للهوية. ففي زمن يتسارع نحو التعقيد والاغتراب، جاء هذا التكريم ليذكّر بأن الجذور هي مصدر القوة، وأن الكلمة البسيطة الصادقة قادرة على أن تكون ملاذًا ومرجعًا. وبين أروقة القصر، اكتملت الدائرة: من الشعب إلى الشاعر، ومن الشاعر إلى الدولة، ومن الدولة إلى الشعب من جديد، ليبقى صوت طليع حمدان حيًا في وجدان الأجيال، رمزًا للوفاء والحب والانتماء، وزرعًا دائمًا للفخر بالهوية اللبنانية وثراء الزجل.




