كيف خسر أغنى رجل في لوس أنجلوس ثروته؟

في أواخر تسعينيات القرن الماضي، كان اسم غاري وينيك يتردد في الأوساط السياسية والاقتصادية بوصفه أحد أكثر رجال الأعمال نفوذًا في الولايات المتحدة. فقد تبرّع بملايين الدولارات لحديقة حيوان لوس أنجلوس، ونسج علاقات وثيقة مع الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، قبل أن يُقدِم على شراء أغلى منزل في البلاد آنذاك. ووفق ما ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال، قُدّرت ثروته في ذروة صعوده بنحو ستة مليارات ومئتي مليون دولار أميركي، فيما صنّفته مجلة لوس أنجلوس بيزنس جورنال أغنى رجل في المدينة.
أسّس وينيك شركة «غلوبال كروسينغ» عام ألف وتسعمئة وسبعة وتسعين، مستندًا إلى رؤية طموحة لمدّ كابلات ألياف ضوئية تحت البحار تربط قارات العالم، في رهان على مستقبل الإنترنت والاتصالات. ولم يستغرق الأمر سوى أقل من عامين ليصبح مليارديرًا «على الورق»، في صعود أسرع حتى من صعود جون دي روكفلر أو بيل غيتس، كما أشارت وول ستريت جورنال. وبلغت مظاهر الثراء حدًّا لافتًا، إذ كتبت صحيفة لوس أنجلوس تايمز عام ألف وتسعمئة وتسعة وتسعين أن مدبرة منزله أصبحت مليونيرة بعد حصولها على أسهم في إحدى شركاته.
غير أن الصورة التي تكشّفت بعد وفاة وينيك عن عمر ناهز ستة وسبعين عامًا في تشرين الثاني من عام ألفين وثلاثة وعشرين كانت مغايرة تمامًا. فبحسب تحقيق مطوّل نشرته وول ستريت جورنال، تبيّن أن الرجل الذي امتلك قصر «كاسا إنكانتادا» في بيل إير، ومنزلًا فخمًا على شاطئ ماليبو، وشقة فاخرة في نيويورك، إضافة إلى مجموعة فنية نادرة، كان يعاني ضائقة مالية حادة ومثقلًا بديون ضخمة.
وتخوض أرملته، كارين وينيك، البالغة من العمر تسعة وسبعين عامًا، معركة قانونية للحفاظ على ممتلكات العائلة، بعدما رهن زوجها معظم الأصول، بما فيها المنازل والأعمال الفنية والمجوهرات، مقابل قرض ضخم. وقد أثارت هذه التطورات صدمة في أوساط النخبة في لوس أنجلوس، حتى بين أصدقاء مقرّبين، إذ كان يُعتقد على نطاق واسع أن وينيك يتمتع بملاءة مالية شبه غير محدودة. ونقلت وول ستريت جورنال عن لوري هايلاند، زوجة الراحل جيف هايلاند، قولها إن سوء إدارة هذه الثروة «أمر يفوق التصور».
ويعكس هذا الانهيار، وفق تحليل الصحيفة، حقيقة أوسع عن ثروات فاحشي الثراء في العصر الحديث، إذ غالبًا ما تكون الثروة ورقية أو قائمة على أصول غير سائلة، ويتم الاقتراض بضمانها لتمويل نمط حياة فاخر، ما يجعلها عرضة للتلاشي السريع عند تغيّر الظروف.
بدأ وينيك مسيرته في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي ضمن الدائرة المقرّبة لمايكل ميلكن في شركة «دريكسل برنهام»، حيث عمل في صفقات الاستحواذ المموّلة وسوق السندات عالية المخاطر. وبعد انهيار «غلوبال كروسينغ» مطلع الألفية الجديدة، في واحدة من أشهر إفلاسات فقاعة الإنترنت، تلاشت عشرات المليارات من القيمة السوقية، رغم أن وينيك كان قد باع أسهمًا بنحو سبعمئة وثلاثين مليون دولار أميركي بين عامي ألف وتسعمئة وتسعة وتسعين وألفين وواحد. وفي كانون الثاني من عام ألفين واثنين أعلنت الشركة إفلاسها، ولاحقًا وافق وينيك على تسوية دعاوى مساهمين مقابل خمسة وخمسين مليون دولار أميركي.
ورغم ذلك، استمر نمط حياته الباذخ، وفق ما تنقل وول ستريت جورنال عن شركاء ومعارف، إذ واصل الاستثمار في شركات تقنية وإعلامية، والدخول في مشاريع عالية المخاطر، ترافقت مع نزاعات قضائية مكلفة. ومع تصاعد النفقات القانونية، لجأ في عام ألفين وعشرين إلى الحصول على خط ائتمان بقيمة مئة مليون دولار أميركي من مجموعة «سي آي إم»، بضمان قصره في بيل إير ومنزل ماليبو وأعماله الفنية.
وفي سنواته الأخيرة، تفاقمت الأزمات القانونية والمالية، إلى أن وافته المنية قبل أسبوعين فقط من موعد استجوابه في إحدى القضايا. وبعد وفاته، اكتشفت زوجته حجم الالتزامات المترتبة، وصرّحت في وثائق قضائية، نقلتها وول ستريت جورنال، بأنها لم تكن على علم بمدى المديونية أو برهن ممتلكات العائلة، بما في ذلك خاتم زواجها.
وبحلول أيلول من عام ألفين وأربعة وعشرين، بلغ الدين المستحق نحو مئة وخمسة وخمسين مليون دولار أميركي، ما دفع الدائنين إلى الشروع في إجراءات حجز وبيع القصر ومنزل ماليبو في مزاد علني. غير أن محامي كارين وينيك نجح في اللحظة الأخيرة في استصدار قرار قضائي بوقف المزاد مؤقتًا، إلى حين مراجعة القضية من قبل محكمة الاستئناف.
وهكذا، تختصر قصة غاري وينيك، كما خلصت وول ستريت جورنال، مسارًا دراميًا من صعود مذهل إلى سقوط مدوٍّ، وتقدّم مثالًا صارخًا على أن الثراء الضخم، حين يُبنى على الرافعة المالية والتقديرات المتفائلة، قد ينهار بالسرعة ذاتها التي تشكّل بها.




