Contact Us
Ektisadi.com
مقالات

قيادة السيارات على الطريقة اللبنانية لـ"المفتحين" فقط

وليد حسين الخطيب
19 ديسمبر 2025
الكاتب وليد حسين الخطيب (إقتصادي.كوم)

وليد حسين الخطيب (إقتصادي.كوم)

تبدأ الحكاية من لحظة وضعِك المفتاح في السيارة. تسمع صوت المحرّك يقول لك: «شدّ حالك… راح نفوت بحلبة المصارعة اليومية». في لبنان، السيارة ليست وسيلة نقل، بل موقف سياسي، وبيان شخصي يشرح للعالم أنك لا تقبل أن يسبقك أحد… ولو كان في طائرة.

أول الأبطال هو «ابن اليمين»… ذلك الكائن العجيب الذي ألغى من عقله فكرة المسارب، وقرّر أن الطريق كلّه عبارة عن مساحة حرّة، يتحرّك فيها كما يشاء. تراه يأتيك من اليمين بسرعة الضوء، مع أنه - بالمناسبة - لم يرَ إشارة المرور يومًا ولا يعتقد أنها وُجِدَت لأمثاله. يقتحم طوابير السيارات ويتجاوزها ليقف أمامك، ثم يرمقك بنظرة فيها كل شيء: الاستغراب، التوبيخ، وربما قليل من الشفقة عليك لأنك «مش مفتّح متلُه». ولا ننسى "الإِوِر" الذي يمشي في منتصف الطريق، فيسدّ الطريق على مَن وراءه، حيث يترقّب الخط الذي يتحرّك فيسير فيه.

ثم هناك «الاستراتيجي»، قائد السرعة الصفرية على الطريق السريع. هذا الرجل يعيش حياته بشعار: «ليش مستعجلين؟ الدنيا فانية». يقود بسرعة 40 كيلومترًا في الساعة، على المسرب اليسار تحديدًا، لأنه مكانه الطبيعي كما يبدو. وإذا خطر ببالك أن تتجاوزَه، سيزيدك حكمةً ويثبت التزامه الفلسفي: يضغط على الفرامل قليلًا… كي تتأدّب.

وهناك فئة أخرى لا تقلّ روعة: كائنات الـ «واتساب دايمًا أون لاين». هؤلاء لا يقودون سيارات، بل يقدّمون عروضًا حيّة في سيرك. يد واحدة على المقود، والأخرى تكتب، وعينه تتنقّل بين الرسائل، بينما السيارة تتمايل يمينًا ويسارًا كأنها تشارك في رقصة دبكة. وإذا حاولت أن تستعجله، يصاب بالذهول، ويصرخ فيك: «شو بك؟ عم اشتغل!».

ولا يمكننا أن ننسى سلالة «الحصانة المرورية»، الأشخاص الذين يملكون الثقة الزائدة لإغلاق الطريق أمامك لمجرّد أنك شخص عادي، وهم من سلالات تُعطيهم الأحقّية بالمرور قبل الجميع. إذا أوقفتهم، يعتبرونك تهديدًا للأمن القومي، وقد يشرحون لك تاريخ أجدادهم الذين «حرّروا حارتكم» قبل أن تولد.

مع كل هؤلاء، هناك ذلك المشهد الأسطوري الذي يتكرّر كل يوم: سائقا سيارتين يتشاجران بلا سبب واضح، سائق يصرخ من نافذته، آخر يردّ بأبواق موسيقية، وثالث يمرّ مبتسمًا كأنه يستمتع بعرض كوميدي مجاني. والأجمل من هذا وذاك، اللذان يفتحان حديثًا كلٌّ من سيارته أو أحدهما من سيارته والآخر من على دراجته النارية... ويتجاذبان أطراف الحديث فيعطّلان السير خلفهما غير آبهين، والذين خلفهما يقفون متفرّجين، يهزّون رؤوسهم ويقولون: «أي… هيدا لبنان!».

والأدهى والأمر هو المبدع الذي يستحقّ جائزة في الفوضى، الذي يأتي عكس السير في طريق بالكاد يتّسع لسيارة واحدة بحجم "سحّارة خضار"، وعليك أنت أن تعود أدراجك ليمرّ أو ينهال عليك بشتائم تطاول جدّك السابع عشر – وهذا أضعف الإيمان – فهو الذي لا تعرف نفسك مع من تتكلّم ويسير الحق معه حيث يسير.

في النهاية، حين تصل إلى وجهتك - إن وصلت طبيعيًّا - تدرك حقيقة مهمّة: أنت لم تقد سيارتك اليوم… بل خضت مباراة في الصبر، دورة تدريبية للسيطرة على الأعصاب، ومحاضرة حيّة في علم الكوميديا السوداء، فالسائق في لبنان يمضي ثلاثة أرباع عمره في زحام الطرق. والأنكى من هذا كله، أن هذه الكائنات فرضت عليك أسلوبها، فأصبحت تتصرّف مثلها – إن في طريقة "السواقة" أو في الشتائم التي تُضحي مبدعًا فيها - حتى تصل إلى وجهتك وإلا ستبقى تراوح مكانك...

وهكذا، "من هنا… وهناك"، تظلّ قيادة السيارة في لبنان أكبر اختبار أخلاقي يومي: هل ستبقى إنسانًا؟ أم ستتحوّل إلى واحد من أبطال السير الذين يعتبرون الفوضى نظامًا، والزعيق لغة، والوقاحة… أسلوب حياة؟










ملاحظة: المقالات التي ينشرها "إقتصادي.كوم" هي دوماً على مسؤولية كتّابها، ولا تعكس بالضرورة رأي الموقع.