Contact Us
Ektisadi.com
مقالات

دولة الفانات المتحدة

28 نوفمبر 2025
وليد حسين الخطيب الصورة الأصلية من الكاتب مع تصغير الحجم

وليد حسين الخطيب (إقتصادي.كوم)

في مكانٍ ما من جغرافيا لبنان، حيث الطرقاتُ ضيّقة كصبر المواطن، وحيث إشارات السير تعمل بنظام "مزاج اليوم"، قامت دولة داخل الدولة: دولة الفانات المتحدة.
دولةٌ لها حدودها المرئية وغير المرئية، وقوانينها التي لا يعرف تفسيرها إلا سائقوها، وشعارها العظيم:
"الطريق إلنا… والباقي ضيوف".
المواطن… كائن ثانوي في المشهد.

في هذه الدولة، يمشي المواطن على الرصيف وهو يشعر بأنه معتدٍ على ملكية خاصة. فالفان (الميكروباص) قد يظهر أمامه من حيث لا يدري، يتوقّف عرضًا، طوليًّا، مائلًا، أو على شكل نجمة سداسية، لا مشكلة… المهم أن الركّاب يُجمَعون كما تُجمَع أمنياتُ الفقراء: بسرعة، وبلا ترتيب.

فنّ التوقف العشوائي
سائق الفان لا "يوقف" فانه… بل يؤدي عرضًا مرعبًا في سيرك: فرملة حادّة بلا إنذار؛ باب يُفتح قبل أن تتوقف العجلات؛ نزول ركّاب وصعود آخرين كأننا في محطة فضائية يعتمد نجاحها على الفوضى... وإذا جرؤتَ على الاعتراض، فالمشهد يتحوّل فورًا إلى درسٍ في الإنسانية: "يا خيّي، نحنا عم نشتغل… شو بدّك فينا؟!" – وهذا أضعف الإيمان – أو قد تتعرّض للضرب المبرح، المدجّج بالشتائم وأقذع الألفاظ، من أحد السائقين "القبضايات"، على اعتبار أن الطرقات ملك أبيه، وهو ملك الزعيم الذي أباح له الطرقات و"الزعرنات"...

من أين يستمدّون قوتهم؟
ببساطة، من الجهات التي ينتمون إليها، فمعظم هؤلاء السائقين مدعومون من شخصيات متنفّذة، فتراهم يتصرّفون كما لو أنّ أحدهم هو السفير، والفان هو السفارة، والطرقات… أراضي نفوذ. أمّا الجهات المعنية في الدولة، فتكتفي بالمشاهدة، وتدوين ملاحظاتٍ على دفترٍ غير موجود: سرعة بلا فرامل… ومسؤولية بلا مساءلة. فالفان اللبناني هو المركبة الوحيدة التي تستطيع أن: تسير بسرعة جنونية على طريق بالكاد تتحرّك فيه السيارات بسبب الزحمة؛ تتوقف فجأة إذا لمح سائقها راكبًا على قارعة الطريق؛ تجتاز الإشارة الحمراء مع إحساسٍ أخلاقي بأنه أدّى عملًا وطنيًّا، وبأنه استردّ جزءًا من حقّه المنهوب من المسؤولين؛ تسير فوق الرصيف إذا "زهق" السائق من الزحمة... والمواطن… يشهد ويبتلع الغضب!

وأنت، أيها السائر البريء، لا تملك إلا أن تبتلع اعتراضك، لأن الحقّ في هذه الدولة حقٌّ متنقّل، يتجوّل مع الفان حيثما ذهب. أما صوتك فمصيره أن يُدفَن على وقع هدير المحرّك ورائحة المازوت. فما الحل في هذه الحال؟

الحل هو إيقاف هذه الظاهرة العشوائية لا تنظيمها، وإلّا لن يبقى طريقٌ لنسير عليه، ولا أعصابٌ نحافظ عليها، ولا مرجعياتٌ نصدّق أنها موجودة أصلًا؛ وإعادة النقل المشترك وتنظيم خطوط السير؛ وفرض قانون سيرٍ حقيقي لا يخجل من نفسه، حفاظًا على أرواح الناس… وأرزاقهم!