حين لفّت شالها حول عنقه

الكاتبة فدى الحاج (إقتصادي.كوم)
لم يكن في الحسبان أن القدر سيجمعهما من جديد. هناك، في بلدٍ بعيد، في سوقٍ مكتظّة بالألوان وأصوات الباعة، لمحته بين الحشود، واقفًا كأنه ينتظر رؤيتها.
تسمّرت في مكانها، لم تستطع متابعة السير من شدة الدهشة، خائفة من ردّة فعله إن اقتربت منه.
عادت إلى الفندق بخطواتٍ متسارعة، تتلفّت حولها خشية أن يرى طيفها أو يشمّ عطرها.
لم تهدأ طوال المساء؛ كانت تنتظر اتصالًا، رسالة، أي إشارة تؤكّد أن ما حدث لم يكن وهمًا.
وحين رنّ هاتفها، ارتبكت.
لم يكن هناك الكثير من الكلام، فقط اتفاقٌ قصير على موعدٍ يجمعهما ليلًا لتناول العشاء.
في تلك الليلة، تلفّعت بشالها الكشمير، الذي يحمل شيئًا من دفء روحها ومن عطرها المفضّل لديه.
التقيا عند باب الفندق، وتبادلا نظرة طويلة، بلا تفسير ولا عتاب؛ فقط شوق ولهفة.
مشيا بصمت، ثم صعدا سيارة الأجرة. جلس هو في الأمام، وجلست هي خلفه، بينما تقلّهما إلى المطعم.
هناك كانت تنتظرهما طاولة خشب، عليها وردة حمراء وشمعة مضاءة، كأنهما وُضعتا خصيصًا لهما.
جلسا إلى الطاولة متقابلَين، والشمعة في المنتصف تتراقص مع نسمات الهواء الباردة، كأنها تشاركهُما ارتباكهما ذاته.
فتح قائمة الطعام، لكنه لم ينظر إليها؛ كانت عيناه شاخصتين نحوها، يتأملها كفراشةٍ حطّت على زهرة الأقحوان.
أما هي، فكانت تحاول أن تبدو هادئة، بينما كل شيءٍ في داخلها يشير إلى ضجيجٍ وصراعٍ بين البوح والخفقان.
قال بصوت منخفض، يحمل الكثير من الحنين: "لم أتوقّع أن أراكِ من جديد".
ابتسمت، لكنها لم تجب، كأنها تخشى أن ينهار كل ما بنته من صلابة إذا نطقت.
حلّ صمتٌ عميق، قيل فيه كل ما لم يُقَل من قبل، كأنهما يتحادثان من دون كلمات. كانت أنفاسهما متقاربة بما يكفي ليصلها صدق مشاعره.
مدّت يدها نحو كوب الماء محاولة إخفاء خوفها، لكن ارتجاف أصابعها أفشى كل ما تحاول ستره.
عند عودتهما من المطعم، كان الليل قد لفّ المدينة ببرودته. الشارع شبه خالٍ، والأنوار الصفر تمتد على الطريق كخيطٍ طويل يُطبع في الذاكرة.
لفح الهواء البارد وجهها، فارتعشت كتفاها. نظرت إليه فجأة من دون أن تقول شيئًا. كان هو أيضًا يرتجف، لكنه لم يعترف.
فتحت ذراعيها وسحبت شالها الكشمير عن كتفيها، ثم وضعته حول عنقه. نظر إليها عبر المرآة، ابتسم، واحتضن الشال ليستنشق عبق رائحتها من داخله، ثم تمتم بصوت منخفض لا يكاد يُسمع: "أنتِ ما زلتِ كما أنتِ…".
لم تمضِ سوى دقائق قليلة حتى وصلا إلى باب الفندق. هناك ساد صمتٌ مختلف، نظر إليها طويلًا، يتنفس ببطء، كأنه يستعيد أنفاسه جزءًا جزءًا. ثم أعاد إليها الشال، وقد امتزجت رائحته بعطرها، كأنه يقول لها إنّ المسافات مهما طالت، ستبقى الروحان متصلتين، وإن بالصمت.
افترقا، كلٌّ منهما إلى حجرته، لكن الشال ظلّ شاهدًا على أن لقاءهما لم يكن نهاية، بل وعدًا صامتًا بأن الحنين أقوى من البعد، وأن الأيام ستجمعهما ثانية، كما لو أن العالم نفسه يترقّب لحظة اجتماعهما من جديد.
