جمهوريّة الدراجات... وسقوط القوانين تحت العجلات

وليد الخطيب (إقتصادي.كوم)
في لبنان، لم تعد الدراجات النارية وسيلة نقل، بل أصبحت كائنات مرعبة تنقضّ على المارّة في الشوارع كما تنقضّ الصقور على فريستها. تنطلق من يمينك كأنها هاربة من دين قديم، تقفز من يسارك كأنها تسابق الريح، وتظهر أمامك فجأة كأنها كابوس خرج من حلمك لينتقم. ولا تدري - وأنت المغلوب على أمرك داخل سيارتك - هل أنت من يقود، أم إنك مجرّد شاهد على فيلم أكشن رخيص الإنتاج، أبطاله شبّان على دراجات لا تملك أي نية للتوقّف، ولا أي احترام لحدود الفيزياء، ولا حتى لأعصابك المنهكة.
انتشرت هذه الظاهرة بشكل هستيري، حتى باتت الدراجات النارية أكثر عددًا من إشارات المرور، وأكثر جرأة من السلطات، وأكثر حضورًا من الدولة نفسها. منها المرخّص، ومنها الذي لم يرَ ورقة رسمية واحدة، تمامًا مثل كثير من الأمور في البلاد.
نعم، لا ننكر أنها خفّفت على كثرٍ أعباء المحروقات، وأنها أنقذت عمّال التوصيل من فواتير البنزين، وأنها منحت كثرًا دقائق إضافية للوصول إلى أماكن عملهم في بلد يأكل الوقت فيه المواطن كما يأكله الغلاء. هذا كلّه مفهوم، ومقدّر... على الرأس والعين.
لكن المشكلة ليست في الدراجة… المشكلة في «فلسفة الدراجة»، في تلك الفلسفة التي تلخّص لبنان كله: حرّية بلا حدود، وقانون بلا أنياب، ومسؤول يصدر قرارًا صباحًا وينساه قبل الظهر، ومواطن قرّر أن يعيش كما يشاء، ولو فوق رؤوس الآخرين.
الدراجات التي يستفيد منها القليل أصبحت مصدر إزعاج للكثير. فئة صغيرة تركب البلد كلّه، وتجرّ أعصاب الناس خلفها جرًّا. مَن معه دراجة يربح، ومَن معه سيارة يخسر؛ يخسر أعصابه، وهدوءه، ومرآته الجانبية... وربما جزءًا من سعادته كلّما مرّت دراجة قربه فأطلقت رعشة في الروح قبل البدن.
يقال: «لا تتسبّبوا في قطع أرزاق الناس». ونحن لا نريد أن نكون سببًا في قطع رزق أحد. ولكن في لبنان، حين تسمح لفئة ما باستثناء بسيط، يتحوّل هذا الاستثناء إلى عرف، ثم إلى حق مقدّس، ثم إلى فوضى عارمة. ففي لبنان، القانون وُضع ليُخرَق لا ليُحترَم ولا ليُطبّق، والمسؤولون موجودون ليغضّوا النظر، طالما أنّهم يمرّرون صفقاتهم، والزعماء ليمنحوا الحصانات لمن يشاؤون. وهكذا دواليك… إلى أن تصبح الشوارع ملكًا لزمور دراجة واحدة، وتصبح حياتك مُعلّقة بين فرملة طارئة وشتيمة مكتومة.
لذا - بكل صراحة وبكل وجع - أنا لست مع تنظيم سير الدراجات، بل مع منعها نهائيًّا. نعم، منعها. لأننا في بلد لا يعيش إلا بالمنع. المنع هو التنظيم الوحيد الذي يفهمه اللبناني. وكل ما عدا ذلك يُترجم فجوة قانونيّة يدخل منها عشرات الآلاف من «الفهلويّة» الذين يقنعونك بأن الفوضى… «حاجة ملحّة».
لكم الله يا سائقَي السيارات القانونيين، فأنتم أبناء الطبقة المظلومة التي لا تملك إلا أن تمسك المقود بيد… وقلبها باليد الأخرى!
ملاحظة: المقالات التي ينشرها "إقتصادي.كوم" هي دوماً على مسؤولية كتّابها، ولا تعكس بالضرورة رأي الموقع.
