قمة المناخ في تركيا تنطلق وسط خلافات التمويل وتراجع الطموحات

تحرير: مجد حيدر
تنطلق أعمال مؤتمر الأمم المتحدة الحادي والثلاثين لتغير المناخ في مدينة أنطاليا التركية الاثنين 9 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، بمشاركة ممثلين عن نحو 200 دولة، وسط تراجع الطموحات الدولية بشأن مكافحة الاحتباس الحراري وتصاعد الخلافات حول تمويل التحول إلى الطاقة النظيفة.
ووفقاً لتقرير نشرته بلومبيرغ الأحد 8 تشرين الثاني/نوفمبر، يستعد نحو 60 ألف مشارك، بينهم دبلوماسيون ومسؤولون حكوميون وممثلون عن مؤسسات مالية ومنظمات بيئية، لخوض مفاوضات تستمر أسبوعين وتركز على تنفيذ التعهدات المناخية السابقة، بدلاً من إطلاق التزامات دولية جديدة واسعة النطاق.
وتأتي القمة بعد تحذيرات أممية من أن العالم لم يعد قادراً على تجنب تجاوز مستوى الاحترار البالغ 1.5 درجة مئوية، وهو الحد الذي وضعته اتفاقية باريس للمناخ باعتباره هدفاً أساسياً للجهود الدولية.
كما تتزامن الاجتماعات مع تداعيات موجات الحر والحرائق والكوارث الطبيعية التي شهدتها مناطق عدة خلال العام، ما يزيد الضغوط على الحكومات لتسريع الإجراءات المتعلقة بخفض الانبعاثات والتكيف مع التغير المناخي.
وتشكل أزمات الطاقة المرتبطة بالحروب في إيران وأوكرانيا عاملاً إضافياً في المفاوضات، بعدما أدت التقلبات في أسعار النفط والغاز إلى زيادة الأعباء الاقتصادية على الدول المستوردة للطاقة.
وبحسب مؤشر أعدته بلومبيرغ استناداً إلى الأسعار الآجلة للنفط والغاز، ارتفعت أسعار الوقود التي يتتبعها المؤشر بنحو 67% خلال الاثني عشر شهراً المنتهية يوم الجمعة، ما يعكس الضغوط التي تواجهها الاقتصادات المعتمدة على الوقود الأحفوري.
وقال وزير البيئة والتوسع العمراني والتغير المناخي التركي مراد كوروم، الذي يتولى رئاسة المؤتمر، إن أزمة الطاقة الحالية أبرزت مخاطر الاعتماد على مصادر الطاقة المستوردة، وعززت أهمية تنويع الإمدادات وتطوير البدائل المحلية.
وتسعى تركيا إلى حشد الدعم الدولي لمبادرة تقضي برفع حصة الكهرباء من الاستهلاك النهائي العالمي للطاقة إلى 35% بحلول عام 2035، مقارنة بمستوى يتجاوز 20% حالياً.
ويهدف المقترح إلى تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري في قطاعات النقل والصناعة والتدفئة، من خلال توسيع استخدام الكهرباء المولدة من مصادر منخفضة الانبعاثات.
وتتطلب هذه الخطوة استثمارات واسعة في شبكات نقل الكهرباء وتوزيعها، إضافة إلى مشروعات الطاقة المتجددة وتخزين الكهرباء وتحديث البنية التحتية.
ويعمل وزير التغير المناخي والطاقة الأسترالي كريس بوين على قيادة المفاوضات ضمن اتفاق لتقاسم مهام رئاسة المؤتمر بين تركيا وأستراليا، مع السعي إلى إدراج هدف التوسع في استخدام الكهرباء ضمن البيان السياسي الختامي.
لكن المبادرة لم تتحول بعد إلى التزام دولي ملزم، فيما تطالب بعض الدول بضمان أن تتحقق الزيادة في الاعتماد على الكهرباء بصورة أساسية من مصادر خالية من الانبعاثات.
ويبرز تمويل المناخ باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية في الاجتماعات، إذ تطالب الدول النامية بمزيد من الدعم المالي لمساعدتها على تطوير اقتصاداتها وخفض الانبعاثات والتكيف مع الآثار المتزايدة للتغير المناخي.
وكانت الدول المشاركة في مفاوضات سابقة قد اتفقت على هدف لتوفير 300 مليار دولار أميركي سنوياً بحلول عام 2035، مع تولي الدول المتقدمة دوراً رئيسياً في تأمين التمويل.
كما طُرحت طموحات أوسع لحشد 1.3 تريليون دولار أميركي سنوياً بحلول العام نفسه من مصادر التمويل العامة والخاصة، إلا أن تحقيق هذا المستوى لا يزال غير مضمون.
وتزداد صعوبة المفاوضات بعدما أعلن الاتحاد الأوروبي، الذي يعد من أبرز المساهمين في تمويل المناخ عالمياً، أنه لا يعتزم تقديم تعهدات مالية جديدة خلال قمة أنطاليا.
وتؤكد الدول النامية أن توفير التمويل يمثل شرطاً أساسياً للتوسع في استخدام الطاقة النظيفة من دون تعطيل النمو الاقتصادي، بينما تطالب بعض الدول الغنية بخطوات أكثر فاعلية لخفض الانبعاثات.
وتشمل المناقشات أيضاً تطوير آليات قياس التقدم في التكيف مع التغير المناخي، وحماية العمال والمجتمعات المتأثرة بالتحول في قطاع الطاقة، ومتابعة تنفيذ الالتزامات التي خرجت بها قمة دبي عام 2023 بشأن الابتعاد التدريجي عن الوقود الأحفوري.
وفي موازاة المفاوضات الرسمية، يتوقع أن تناقش الدول تعهدات طوعية تتعلق بالذكاء الاصطناعي، تشمل تشجيع الشركات على الإفصاح عن الأثر البيئي لتقنياتها وتغذية مراكز البيانات بالكهرباء النظيفة.
وتأتي هذه المبادرات مع تصاعد المخاوف بشأن استهلاك مراكز البيانات للطاقة والمياه، في ظل التوسع السريع في البنية التحتية اللازمة لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وتلقي المواقف الأميركية بظلالها على المؤتمر، بعد انسحاب إدارة الرئيس دونالد ترامب من اتفاقية باريس وتراجع السياسات البيئية الفيدرالية، رغم مشاركة ممثلين عن ولايات ومدن أميركية ومؤسسات خاصة في أعمال القمة.
وفي ظل تقلص نطاق المفاوضات مقارنة بالمؤتمرات السابقة، تتجه الأنظار إلى قدرة المشاركين على تحويل التعهدات القائمة إلى خطوات تنفيذية، بدلاً من الاكتفاء بإعلانات جديدة يصعب تأمين التمويل اللازم لتحقيقها.
وتبقى نتائج قمة أنطاليا مرتبطة بمدى قدرة الدول على تجاوز خلافاتها بشأن التمويل والطاقة، والتوصل إلى إجراءات عملية توازن بين احتياجات النمو الاقتصادي ومتطلبات الحد من الانبعاثات.




