وثائق سرية | هكذا يراقب اليمنيون البحر الأحمر

تحرير: أحمد شرف الدين
كشفت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية أن قوات أنصار الله اليمنية فرضت عمليًا نظامًا لمراقبة حركة الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، من خلال آلية إلكترونية تتيح لشركات الشحن وقباطنة السفن طلب موافقات مسبقة للعبور، في إجراء يعكس اتساع نفوذ الجماعة على أحد أهم الممرات البحرية للتجارة العالمية.
وبحسب تقرير نشرته الصحيفة، فإن المقاومة اليمنية المدعومة من إيران تدير هذه الآلية عبر كيان إداري يحمل اسم «مركز تنسيق العمليات الإنسانية»، أُنشئ مطلع عام 2024، لتلقي طلبات السفن والتواصل مع شركات الشحن بشأن القيود والعقوبات البحرية التي تفرضها الجماعة.
وأوضحت الصحيفة، التي اطلعت على مراسلات إلكترونية بين قباطنة سفن والمركز، أن الإجراءات لا تتطلب سوى إرسال بريد إلكتروني يتضمن معلومات عن السفينة وملكيتها وطاقمها ومسار رحلتها، إلى جانب تعهدات بعدم الارتباط بالدول التي تستهدفها قوات أنصار الله اليمنية.
ورغم أن السفن غير المرتبطة بالولايات المتحدة وبريطانيا وإسرائيل ليست ملزمة، وفق شروط المقاومة اليمنية، بالتواصل مع المركز قبل العبور، فإن عددًا من شركات الشحن بدأ بطلب ضمانات إضافية عقب إعلان الجماعة فرض حصار بحري على السعودية في تموز/يوليو الماضي، وفق شهادات بحارة ومحللين في قطاع الملاحة ومراسلات راجعتها الصحيفة.
طلبات عبور تتضمن تعهدات سياسية ومعلومات تفصيلية
وعرضت «وول ستريت جورنال» نموذجًا لرسالة أرسلها قبطان سفينة في 16 آب/أغسطس 2026، طلب فيها السماح لسفينته بالمرور الآمن عبر مضيق باب المندب، مؤكدًا عدم وجود أي ارتباط لها بإسرائيل أو الولايات المتحدة أو بريطانيا.
وتضمنت الرسالة تأكيدًا أن مالك السفينة والشركة المسؤولة عن إدارتها وتشغيلها مؤسسات صينية، وأن جميع أفراد طاقمها يحملون الجنسية الصينية، ولا تربطهم علاقات بالدول الثلاث.
وأشارت الصحيفة إلى أن سفنًا عديدة تذهب أبعد من ذلك، فتؤكد أيضًا عدم ارتباطها بالسعودية، في محاولة لتجنب الاستهداف، بعدما وسعت قوات أنصار الله اليمنية نطاق السفن التي تهدد بمهاجمتها.
وكانت الجماعة قد بدأت مهاجمة السفن المرتبطة بإسرائيل عام 2023، على خلفية الحرب في قطاع غزة، قبل أن توسع قائمة أهدافها لتشمل سفنًا مرتبطة بالولايات المتحدة وبريطانيا، ثم أعلنت في 20 تموز/يوليو 2026 فرض حظر على حركة الملاحة من الموانئ السعودية وإليها.
وفي الرسالة التي استعرضتها الصحيفة، قدم القبطان الصيني جدولًا تفصيليًا لمسار السفينة، شمل موعد وصولها المتوقع إلى منطقة المخا في 19 آب/أغسطس عند الساعة الحادية عشرة مساءً بالتوقيت المحلي المحدد في الرسالة، وإلى مسار فصل حركة المرور في باب المندب عند السادسة مساءً، وإلى نقطة بالفي عند السادسة وأربعين دقيقة مساءً من اليوم نفسه، مع تحديد الإحداثيات الجغرافية لكل موقع.
كما تعهد القبطان بالامتثال للحظر البحري الذي أعلنته المقاومة اليمنية في 20 تموز/يوليو، وباتباع القواعد الدولية لمنع التصادم في البحار، المعروفة باسم «COLREGs»، قبل أن يطلب تأكيدًا رسميًا بإمكانية المرور الآمن.
ولفتت الصحيفة إلى أن قوات أنصار الله اليمنية والحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا يستخدمون تسمية «القوات المسلحة اليمنية» للإشارة إلى قواتهم، رغم أن الجماعة سيطرت على العاصمة صنعاء عام 2014، وأخرجت الحكومة المدعومة من السعودية منها. وأوضحت أن الإشارة إلى القوات المسلحة اليمنية في رسالة القبطان الصيني كانت تعني المقاومة اليمنية.
موافقات خلال 24 ساعة وتصاريح صالحة لأسبوع
وأظهرت المراسلات التي راجعتها «وول ستريت جورنال» أن مركز المقاومة اليمنية يرد عادة على طلبات العبور خلال 24 ساعة، إذا قرر إصدار رد، وأن الموافقات تتضمن تعليمات ملاحية وأمنية محددة، إلى جانب مدة صلاحية للتصريح.
واستعرض التقرير رسالة مؤرخة في 7 أيلول/سبتمبر 2026، وافق فيها المركز على عبور سفينة الحاويات الصينية «Zhong Cheng Chang Ling»، التي تحمل رقم التعريف البحري الدولي 1124310.
وجاء في الرد أن السفينة تستطيع العبور بأمان عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب وخليج عدن وبحر العرب، بعدما أبدى المركز ارتياحه لفهم القبطان المعايير التي تعتمدها قوات أنصار الله اليمنية في تحديد السفن المشمولة بالحظر.
وأُرسلت الموافقة من عنوان البريد الإلكتروني المخصص للتصاريح، مع نسخ إلى عناوين أخرى تابعة لإدارة المركز وقسم العمليات، في ما اعتبرته الصحيفة مؤشرًا إلى وجود آلية إدارية منظمة للتعامل مع السفن.
وتضمنت الرسالة تعليمات بإبقاء نظام التعريف الآلي للسفن (AIS) قيد التشغيل طوال الرحلة، إلى جانب قناة الاتصال اللاسلكي البحري رقم 16، المستخدمة دوليًا لنداءات الاستغاثة والسلامة.
كما طلب المركز من السفينة الالتزام بالمسار الملاحي الدولي، وتجنب الاقتراب من السفن التي أوقفت تشغيل أجهزة التعريف الآلي، وكذلك الابتعاد عن القطع العسكرية، والإبلاغ عن أي نشاط مشبوه يُرصد بالقرب منها.
وشددت الرسالة على ضرورة إبلاغ المركز بأي تغييرات تطرأ على رحلة السفينة بعد حصولها على الموافقة، وحددت صلاحية التصريح بسبعة أيام من تاريخ إصداره.
وأرفقت المقاومة اليمنية بالرد رقم هاتف مخصص للتواصل المباشر، هو 00967-781888826، إضافة إلى رابط للاشتراك بخدمة التنبيهات الإلكترونية التي يقدمها المركز لتزويد شركات الشحن بالتحديثات.
ورأت الصحيفة أن هذه الإجراءات تعكس مستوى من التنظيم والاستجابة لدى الجماعة، فيما رجحت أن يكون طلب إبقاء أجهزة التعريف الآلي والاتصالات قيد التشغيل مرتبطًا برغبة قوات أنصار الله اليمنية في مراقبة مسارات السفن وتحركاتها.
ويتيح نظام التعريف الآلي تتبع هوية السفينة وموقعها وسرعتها ووجهتها، وهي معلومات أساسية لمراقبة الحركة البحرية.
سفينة صينية تلتزم بتعليمات المقاومة اليمنية خلال رحلتها
ونقلت «وول ستريت جورنال» عن قبطان السفينة الصينية قوله إن الشركة المسؤولة عن إدارة السفينة طلبت منه التواصل مع المقاومة اليمنية من باب الحيطة والحذر، قبل عبور الممر البحري.
وبحسب بيانات تتبع السفن التي حللتها الصحيفة، تلقت السفينة موافقة قوات أنصار الله اليمنية مساء 7 أيلول/سبتمبر، ثم أجرت في مساء اليوم التالي تغييرًا في بيانات وجهتها المعلنة.
فبعدما كانت وجهتها المسجلة ميناء كلانغ الماليزي، أحد أبرز مراكز شحن الحاويات في مضيق ملقا، استبدلت السفينة هذه الوجهة بعبارة «حارس مسلح على متن السفينة»، وهي صيغة تستخدمها بعض السفن لردع هجمات المقاومة اليمنية ومحاولات القرصنة.
وواصلت السفينة رحلتها عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب، قبل أن تدخل المحيط الهندي في 11 أيلول/سبتمبر، وتعيد تسجيل ميناء كلانغ وجهةً لها.
وأظهرت بيانات التتبع أنها أبقت أجهزة التعريف الآلي قيد التشغيل طوال الرحلة، امتثالًا للتعليمات الواردة في رسالة قوات أنصار الله اليمنية.
واستندت الصحيفة في تتبع مسار السفينة إلى بيانات موقع «MarineTraffic»، إلى جانب معلومات عن مناطق سيطرة المقاومة اليمنية من معهد دراسة الحرب.
سيطرة على باب المندب وتداعيات على التجارة العالمية
وأشار التقرير إلى أن نظام الموافقات الإلكترونية يكتسب أهمية إضافية في ضوء التطورات العسكرية التي شهدها مضيق باب المندب، بعدما سيطرت قوات أنصار الله اليمنية في أيلول/سبتمبر الماضي على جزيرة استراتيجية داخل المضيق وبلدة على ساحله القاري، ما منحها، بحسب الصحيفة، سيطرة فعلية على أحد أهم الاختناقات البحرية في العالم.
ويربط مضيق باب المندب خليج عدن بالبحر الأحمر، ويشكل ممرًا رئيسيًا للسفن المتجهة بين آسيا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأوروبا عبر قناة السويس.
وأوضحت الصحيفة أن هذا الممر يستوعب عادة نحو 10% إلى 12% من شحنات النفط المنقولة بحرًا عالميًا، فضلًا عن دوره في حركة التجارة البحرية المرتبطة بقناة السويس.
ويؤدي تجنب المرور عبر البحر الأحمر واللجوء إلى طريق رأس الرجاء الصالح حول أفريقيا إلى إطالة الرحلات البحرية بنحو أسبوعين، ما يزيد مدة الشحن وتكاليف التشغيل.
وربطت الصحيفة تزايد طلبات الموافقة من المقاومة اليمنية بإعلان الجماعة الحصار البحري على السعودية في تموز/يوليو، والذي أعقبه تباطؤ في عبور ناقلات النفط والغاز عبر باب المندب.
وبعد أيام من إعلان الحصار، قالت المقاومة اليمنية إنها استهدفت ناقلتي نفط سعوديتين تحملان اسمي «Encelia» و«Layla»، متهمة إياهما بانتهاك القيود البحرية التي فرضتها الجماعة.
وأشارت الصحيفة إلى أن حركة ناقلات النفط والغاز، التي تباطأت في البداية عقب إعلان الحصار، سجلت لاحقًا تعافيًا محدودًا.
تحذيرات دولية من التواصل مع مركز المقاومة اليمنية
ورغم لجوء بعض شركات الشحن إلى طلب تصاريح العبور، أكدت «وول ستريت جورنال» أن عددًا كبيرًا من السفن يواصل المرور من دون التواصل مع قوات أنصار الله اليمنية، الذين تصنفهم الولايات المتحدة منظمة إرهابية أجنبية وتفرض عليهم عقوبات.
وأوضحت أن الإرشادات الرسمية الصادرة عن السلطات البحرية الدولية تنصح السفن بعدم التواصل مع مركز تنسيق العمليات الإنسانية التابع للمقاومة اليمنية، أو تسجيل بياناتها لديه.
ويبرز هذا التباين بين الإرشادات الدولية والممارسات الفعلية لبعض شركات الشحن، في ظل سعي الأخيرة إلى تقليل المخاطر التي تواجه سفنها خلال عبور البحر الأحمر.
وتشير المراسلات التي استعرضتها الصحيفة إلى أن قوات أنصار الله اليمنية لا تكتفي بإعلان قوائم السفن والدول المستهدفة، بل تدير أيضًا قناة اتصال مباشرة مع بعض شركات الملاحة، تتلقى من خلالها بيانات عن ملكية السفن وأطقمها ومواعيد مرورها، وتصدر عبرها موافقات مشروطة وتعليمات تتعلق بمسارات الرحلات وإجراءات الاتصال والمراقبة.
وبذلك، يكشف التحقيق عن آلية تستخدمها المقاومة اليمنية للتأثير في حركة الملاحة عبر البحر الأحمر وباب المندب، رغم أن المضيق يُعد ممرًا مائيًا دوليًا يخضع لقواعد الملاحة الدولية، وليس لنظام تصاريح تفرضه الجماعة.



