طفرة الذكاء الاصطناعي تثير مخاوف أزمة مالية جديدة

تحرير : سنا الحسيني
حذّر بيل دادلي، الرئيس السابق لبنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك وكاتب عمود في بلومبيرغ، من أن الطفرة الاستثمارية الضخمة في قطاع الذكاء الاصطناعي قد تمهّد الطريق لأزمة مالية جديدة، في ظل تصاعد المخاوف من الإفراط في الاستثمار وعدم قدرة الشركات على تحقيق عائدات كافية لتبرير الإنفاق المتزايد، وذلك في مقال رأي نشره في قسم Bloomberg Opinion التابع لبلومبيرغ يوم الثلاثاء 3 تشرين الثاني 2026.
وتُقدّر الاستثمارات المخصصة لبناء البنية التحتية اللازمة للذكاء الاصطناعي بأكثر من 10 تريليونات دولار، إذا جرى تنفيذ جميع الخطط المطروحة حالياً.
وتتدفق هذه الأموال من مصادر متعددة، تشمل التدفقات النقدية للشركات، وإصدارات الأسهم والسندات في الأسواق العامة، والديون الخاصة، والتزامات عقود الإيجار خارج الميزانيات العمومية، إضافة إلى الضمانات التي تقدمها شركات التكنولوجيا العملاقة ومورّد الرقائق الرئيسي إنفيديا لمطوري مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.
وتبرز عدة عوامل تدعو إلى القلق بشأن استدامة هذه الطفرة، في مقدمتها احتمال حدوث استثمارات مفرطة نتيجة طبيعة المنافسة في القطاع، التي تقوم إلى حد كبير على مبدأ أن الفائز يستحوذ على الحصة الأكبر من السوق.
فهناك ما لا يقل عن سبع أو ثماني شركات تسعى إلى أن تصبح من كبار مزودي البنية التحتية والخدمات السحابية للذكاء الاصطناعي، إلا أن عدد الشركات التي ستتمكن فعلياً من النجاح قد لا يتجاوز شركتين أو ثلاثاً.
ويرجع ذلك إلى أن وفورات النطاق والحجم وتأثيرات الشبكة من المرجح أن تؤدي إلى تركّز كبير في سوق توفير القدرة الحاسوبية وخدمات الذكاء الاصطناعي الأخرى، على غرار ما حدث في قطاع خدمات تكنولوجيا المعلومات السحابية، حيث تهيمن مجموعة محدودة من الشركات على السوق.
ويتمثل مصدر قلق آخر في عدم وضوح قدرة القطاع على تحقيق إيرادات كافية لتوفير عائد مناسب على رأس المال يبرر حجم الاستثمارات الحالية ويسمح باستمرارها.
ونظراً إلى سرعة انخفاض القيمة الاقتصادية لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي بفعل الاستهلاك والتقادم، فقد تحتاج الشركات إلى تحقيق إيرادات سنوية تبلغ 3 تريليونات دولار أو أكثر لضمان عائد كافٍ على هذه الاستثمارات.
وفي هذا السياق، جمعت شركات التكنولوجيا الكبرى أكثر من 400 مليار دولار من خلال إصدارات السندات وحدها منذ عام 2025، فيما وصلت إصدارات الديون عالمياً المرتبطة بالشركات إلى مستوى قياسي بلغ 460 مليار دولار منذ بداية العام الحالي.
وحذّر دادلي من أن انتهاء هذه الطفرة قد يؤدي، في الحد الأدنى، إلى تراجع حاد في أسواق الأسهم، إلا أن الخطر الأكبر يكمن في التداعيات المحتملة على الجهات التي تموّل شركات الذكاء الاصطناعي. واستحضر في هذا الإطار الأزمة المالية العالمية التي اندلعت قبل نحو 20 عاماً، بعدما أدى انخفاض قيمة العقارات المستخدمة كضمانات للقروض إلى تراجع قيمة الأصول المرتبطة بها، وما تبع ذلك من اضطرابات واسعة في أسواق الإقراض.
ورغم هذه المخاطر، يرى دادلي أن احتمال تكرار أزمة مالية عالمية بالحجم نفسه لا يزال منخفضاً لثلاثة أسباب رئيسية.
أولها أن المخاوف من احتمال انفجار فقاعة الذكاء الاصطناعي أصبحت حاضرة على نطاق واسع في الأسواق، خلافاً لما حدث في المراحل الأولى من الأزمة المالية العالمية، حين كان المستثمرون يقللون من المخاطر المرتبطة بالقروض العقارية عالية المخاطر، ويعتبرون الأدوات المالية المدعومة بها، بما فيها التزامات الديون المضمونة المصنفة بدرجة AAA استثمارات آمنة.
كما استندوا آنذاك إلى حقيقة أن أسعار المنازل في الولايات المتحدة لم تشهد انخفاضاً على مستوى البلاد منذ الكساد الكبير.
أما السبب الثاني، فيتعلق بمتانة هيكل التمويل الحالي للاستثمارات في الذكاء الاصطناعي مقارنة بما كان سائداً قبل الأزمة المالية العالمية.
ففي تلك الفترة، جرى تمويل أصول طويلة الأجل وغير سائلة، مثل أدوات الديون المضمونة المعقدة، من خلال التزامات قصيرة الأجل. ومع ارتفاع حالات التأخر عن سداد القروض العقارية عالية المخاطر والتعثر فيها، تراجعت أسعار العقارات وأصبحت قيمة تلك الأدوات موضع شك، ما منع المقترضين من تجديد تمويلهم قصير الأجل.
وأدى ذلك إلى عمليات بيع اضطرارية للأصول بأسعار تقل كثيراً عن قيمتها الحقيقية، ما تسبب في زيادة الضغوط المالية وارتفاع حالات التعثر والإفلاس، إلى جانب المزيد من عمليات التصفية بأسعار متدنية.
في المقابل، تعتمد نسبة كبيرة من تمويل طفرة الذكاء الاصطناعي على مصادر طويلة الأجل تتناسب بصورة أفضل مع طبيعة الأصول التي يجري تمويلها. كما تتمتع شركات التأمين والمؤسسات الاستثمارية طويلة الأجل بقدرة أكبر على الاحتفاظ باستثماراتها خلال فترات الاضطراب.
وحتى في الحالات التي يستطيع فيها المستثمرون سحب أموالهم، غالباً ما تمتلك شركات الأسهم الخاصة صلاحية فرض قيود على عمليات السحب، ما يقلل احتمال حدوث موجات بيع اضطرارية واسعة النطاق.
إلا أن دادلي أشار إلى أن بعض جوانب التمويل الحالي لا تزال مثيرة للقلق، خصوصاً صعوبة تقييم حجم المخاطر المرتبطة بالأطراف المقابلة، وكيف يمكن أن تتغير هذه المخاطر في حال تراجعت توقعات العوائد الاستثمارية أو تدهورت ظروف التمويل.
كما أن شروط التمويل غالباً ما تكون معقدة وغير واضحة، الأمر الذي يصعّب تحديد الالتزامات المالية الفعلية للشركات.
وتُنفذ نسبة كبيرة من عمليات التمويل من خلال ترتيبات التأجير، التي لا تظهر ضمن الميزانيات العمومية للشركات إلا بعد اكتمال إنشاء البنية التحتية لمراكز البيانات.
كذلك، تنطوي بعض هذه الترتيبات على ما يُعرف بمخاطر الاتجاه المعاكس، إذ يمكن أن تتحقق الالتزامات المالية في الوقت الذي تتدهور فيه قدرة الجهة الضامنة على تحملها.
وضرب دادلي مثالاً على ذلك بالضمانات التي تقدمها إنفيديا بشأن القيمة المستقبلية لرقائقها، إذ إن تفعيل هذه الضمانات في حال انخفاض أسعار الرقائق قد يتزامن مع تراجع حاد في هوامش أرباح الشركة، ما يزيد من حدة المخاطر المالية عليها.
وفي مواجهة هذه التحديات، طرح دادلي مجموعة من الإجراءات التي من شأنها الحد من المخاطر المحتملة.
ودعا أولاً إلى منح الهيئات المنظمة للأوراق المالية صلاحيات واضحة تتعلق بالاستقرار المالي، ولا سيما أن جانباً كبيراً من أنشطة التمويل الحالية يجري خارج القطاع المصرفي التقليدي، ضمن المؤسسات المالية غير المصرفية، ما يستدعي وجود جهة رقابية مسؤولة عن رصد المخاطر الناشئة والتعامل معها.
كما شدد على ضرورة أن تتخذ الجهات الرقابية المصرفية وهيئات الأوراق المالية خطوات لتعزيز الشفافية، من خلال توفير معلومات واضحة حول الأطراف التي تقترض الأموال، والجهات التي تقدم التمويل، وطبيعة الالتزامات والشروط والاحتمالات المرتبطة بها.
ومن شأن إتاحة هذه المعلومات للمؤسسات المالية والمستثمرين أن تساعدهم على تقييم مخاطر الأطراف المقابلة واتخاذ قرارات أكثر دقة، فضلاً عن إجراء تعديلات مبكرة قبل تفاقم الاختلالات.
ودعا أيضاً إلى مراجعة الممارسات المحاسبية لضمان إظهار الالتزامات والمخاطر المالية بصورة عادلة ودقيقة، مشيراً إلى أن النظام المصرفي الخاضع للرقابة يتمتع بمستوى مرتفع من الشفافية بشأن مكونات الأصول والالتزامات، فضلاً عن خضوعه لمتطلبات إلزامية تتعلق برأس المال والسيولة.
في المقابل، يفتقر قطاع الائتمان الخاص غير المصرفي إلى المستوى نفسه من الوضوح، إذ تُترك احتياجات رأس المال والسيولة إلى حد كبير لتقدير كل شركة على حدة.
واعتبر دادلي أن فرض قواعد تلزم هذه المؤسسات بالكشف بصورة أكثر شمولاً عن التزاماتها الفعلية والمحتملة من شأنه مساعدة المستثمرين على اتخاذ قرارات مدروسة والحد من المخاطرة المفرطة.
واختتم دادلي تحذيره بالتأكيد على أهمية الاستعداد المبكر للمخاطر، مشدداً على أن الحجم الهائل لطفرة الذكاء الاصطناعي يجعل المستثمرين بحاجة إلى معلومات أفضل تمكّنهم من تقييم المخاطر وتسعيرها بصورة صحيحة.



