التضخم والديون ومخاطر الذكاء الاصطناعي تثير قلق وول ستريت رغم صعود الأسهم

تحرير: مجد حيدر
تواصل الأسهم الأميركية التداول قرب مستويات قياسية، رغم استمرار التضخم وتداعيات الحرب مع إيران وتزايد التساؤلات بشأن تمويل الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي. لكن خلف أداء المؤشرات الرئيسية، تبرز إشارات مقلقة تدفع خبراء وول ستريت إلى التحذير من مخاطر قد تواجه الأسواق والاقتصاد الأميركي، وفقاً لتقرير نشرته وكالة بلومبيرغ.
واستطلعت بلومبيرغ آراء تسعة متخصصين ماليين بشأن المؤشرات التي تثير قلقهم، فسلطوا الضوء على ارتفاع أسعار السلع، وتزايد تركّز الاستثمارات في قطاع التكنولوجيا، واتساع فجوة الثروة، وتراجع فعالية أدوات التحوط التقليدية.
التضخم يهدد توقعات انخفاض الأسعار
أعرب كونراد ديكوادروس، رئيس قسم الاقتصاد في «سيتي ويلث»، عن قلقه من توقعات تباطؤ التضخم الأميركي خلال عام 2027، معتبراً أن البيانات الأخيرة لا توفر دعماً كافياً لهذا التفاؤل.
ويبلغ متوسط توقعات الاقتصاديين لتضخم نفقات الاستهلاك الشخصي 2.5% في عام 2027، مقابل 3.1% لدى أصحاب أعلى عشرة توقعات. أما التوقعات الصادرة عن الفيدرالي في أيلول/سبتمبر، فتشير إلى متوسط يبلغ 2.3%.
ولفت ديكوادروس إلى ارتفاع أسعار السلع المصنعة الأساسية في مراحل الإنتاج بنسبة 24.3% خلال عام، محذراً من انتقال هذه الزيادات إلى أسعار المنتجات النهائية، بما قد يعيد ضغوط التضخم التي شهدتها الولايات المتحدة خلال عامَي 2021 و2022.
استثمارات الذكاء الاصطناعي تضغط على الشركات الأخرى
حذرت تيفاني وايلدينغ، الخبيرة الاقتصادية لدى «بيمكو»، من أن التوسع في تمويل مشاريع الذكاء الاصطناعي قد يقلص قدرة الشركات الأخرى على الاقتراض من أسواق رأس المال.
وأوضحت أن استثمارات الذكاء الاصطناعي تستحوذ على حصة متزايدة من الناتج المحلي الإجمالي الأميركي، في وقت تتراجع فيه الاستثمارات الخاصة الثابتة الأخرى.
وقد يؤدي ارتفاع تكاليف التمويل واتساع فروق العائد على ديون المقترضين الأكثر خطورة إلى تعزيز هذا الاتجاه، وزيادة اعتماد الاقتصاد الأميركي على قطاع التكنولوجيا.
اتساع فجوة الثروة يهدد الاستهلاك
اعتبرت كريستينا هوبر، كبيرة استراتيجيي الأسواق لدى «مان غروب»، أن تفاوت الثروة يمثل خطراً اقتصادياً أكبر من تفاوت الدخل.
وأشارت إلى أن تركّز الأصول لدى الأسر الأكثر ثراءً قد يضعف الطلب الاستهلاكي، نظراً إلى أن هذه الأسر تنفق عادةً نسبة أقل من أي دخل إضافي مقارنة بالأسر الأقل ثراءً.
وفي المقابل، تواجه الشريحة التي تمثل النصف الأقل ثراءً من الأسر الأميركية ضعفاً في نمو صافي ثروتها، مع تحملها أعباء ديون تشمل الائتمان الاستهلاكي.
ومع ارتفاع أسعار الفائدة، تتزايد الضغوط على هذه الأسر، ما قد يؤثر في الإنفاق الاستهلاكي الذي يشكل محركاً أساسياً للاقتصاد الأميركي.
وبحسب بيانات «فاكتست» الصادرة في 23 تشرين الأول/أكتوبر 2026، يُتوقع تراجع نمو أرباح قطاع السلع والخدمات الاستهلاكية غير الأساسية بنسبة 3.4% العام المقبل.
مخاوف من فائض في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي
حذرت ويني سيزار، رئيسة الاستراتيجية العالمية لدى «كريديت سايتس»، من احتمال توسع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بوتيرة تتجاوز الطلب الفعلي.
وأوضحت أن شركات المرافق الأميركية وقّعت بالفعل اتفاقات لتوفير طاقة كهربائية تكفي لتشغيل مراكز بيانات بقدرة حوسبية تقارب 153 غيغاواط، أي نحو 1.8 مرة من الطلب الجديد المتوقع حتى عام 2030، حتى وفق أكثر التقديرات تفاؤلاً.
وشبّهت هذه المخاطر بموجات الاستثمار المفرط السابقة في توليد الكهرباء والألياف الضوئية والنفط الصخري.
وقد تصبح الشركات المتخصصة في توفير قدرات الحوسبة بالاعتماد على الاقتراض أكثر عرضة للضغوط إذا خفّضت استثماراتها الرأسمالية.
السندات تفقد جزءاً من دورها في حماية المحافظ
أشار جوناثان كيتز، مدير المحافظ والمدير التنفيذي للعمليات لدى «كامبريا إنفستمنت مانجمنت»، إلى تراجع موثوقية السندات أداةً للتحوط من انخفاض الأسهم.
وأوضح أن العلاقة العكسية بين الأسهم والسندات، التي استمرت بصورة ملحوظة بين عامَي 2001 و2022، لم تكن سائدة إلا خلال 24% من الفترات التاريخية التي تناولها تحليله.
وبلغ معامل الارتباط بين الفئتين 0.53، وهو أعلى مستوى منذ كانون الثاني/يناير 1998، فيما وصل إلى 0.63 عند استخدام مؤشر السندات الأوسع.
ويعني الارتباط الإيجابي أن الأسهم والسندات قد تتحركان في الاتجاه نفسه، ما يضعف قدرة المحافظ التقليدية على توزيع المخاطر.
هل تتكرر فقاعة التكنولوجيا؟
رأى جورج بيركس، استراتيجي الاقتصاد الكلي لدى «بيسبوك إنفستمنت غروب»، أوجه تشابه بين تحركات أسهم التكنولوجيا وأشباه الموصلات في عام 2026 وتلك التي سبقت انفجار فقاعة الإنترنت عام 2000.
وحذر من أن استمرار هذه الأنماط قد يشير إلى مخاطر تصحيح حاد، مع التأكيد أن التشابه التاريخي لا يعني بالضرورة تكرار النتائج نفسها.
وفي سياق متصل، أشار ستيف سوسنيك، كبير الاستراتيجيين لدى «إنتراكتيف بروكرز»، إلى ارتفاع حاد في عوائد الديون ذات التصنيف الائتماني الضعيف جداً، ولا سيما فئة «سي سي سي».
وأثار ذلك تساؤلات بشأن احتمال انتقال ضغوط الائتمان من الشركات الأكثر هشاشة إلى فئات أخرى من المقترضين، وصولاً إلى سوق الأسهم.
الطروحات الجديدة تحت المجهر
لفت كيفن غرين، نائب رئيس مجموعة حلول الاستثمار لدى «دايمنشنال فاند أدفايزرز»، إلى أن الحماس للاكتتابات العامة الأولية لا يضمن تحقيق عوائد مرتفعة.
وأوضح أن الأبحاث تشير إلى أن الشركات المدرجة حديثاً، عند إضافتها إلى المؤشرات، سجلت عموماً أداءً أضعف من أداء المؤشرات خلال عامها الأول من التداول، ما أثر سلباً في عوائد المستثمرين.
وتعكس هذه التحذيرات اتساع الفجوة بين صعود مؤشرات الأسهم والمخاطر الاقتصادية والمالية الكامنة، في وقت يراقب فيه المستثمرون قدرة الأسواق على تحمل التضخم المرتفع وتزايد الديون والتوسع السريع في استثمارات الذكاء الاصطناعي.




