أزمة المدارس والوضع الاقتصادي تعمقان الاضطرابات: من يقف وراء موجة الاحتجاجات والشغب في فرنسا؟

تستمر فرنسا في مواجهة موجة عارمة من الاحتجاجات وأعمال الشغب التي تصاعدت حدتها بشكل غير مسبوق، مخلفة آلاف الاعتقالات والمواجهات مع قوات الأمن. التحركات التي انطلقت في بدايتها بمطالب محددة تتعلق بنقص الكوادر التعليمية في المدارس، سرعان ما اتسعت رقعتها لتكشف عن استياء شعبي وثقافي وسياسي أعمق تجاه الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بالبلاد، وسط تساؤلات حادة حول الخلفيات والجهات المؤثرة في هذا الحراك وتداعياته المستقبلية.
وكانت الشرارة الأولى قد اندلعت في مدرسة ثانوية بضاحية "كريتاي" جنوب شرقي باريس في 17 أيلول/سبتمبر، لتتوسع خلال تشرين الأول/أكتوبر وتطال أكثر من ألف مدرسة ثانوية من أصل 3700 في أنحاء البلاد، مجتذبة مئات الآلاف من الطلاب والمدرسين وأولياء الأمور، إضافة إلى طلاب جامعيين وقوى سياسية يسارية.
جذور الغضب: التعليم والأزمات الهيكلية
بحسب تقرير نقلته وكالة الأنباء الألمانية (د ب أ)، فإن الاحتجاجات الأولى ركزت على النقص الحاد في المعلمين، واكتظاظ الفصول، والجداول الدراسية المزدحمة، وتداعي البنية التحتية للمدارس، إلى جانب المطالبة بإصلاح منصة القبول الجامعي "باركور سوب" لافتقارها إلى الشفافية. ولتوضيح حجم الأزمة، فإن أكثر من نصف المدارس الثانوية والإعدادية في فرنسا كانت تفتقر لمعلم واحد على الأقل مع بداية العام الدراسي 2026-2027، وسط صعوبة جذب الكفاءات للتعليم بسبب ركود الأجور والمخاطر الأمنية.
وأشارت الباحثة رافاييلا أوزان، المتخصصة في الشؤون الأوروبية لدى مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، إلى أن التعليم العام في فرنسا يعاني أزمة جودة على الرغم من حجم الإنفاق المرتفع؛ إذ سجلت نتائج اختبارات "بيزا" لعام 2025 تراجعاً قياسياً في أداء الطلاب بالرياضيات والعلوم والقراءة إلى أدنى مستوى منذ عام 2020. ويرى منتقدون أن الإصلاحات التخصصية التي أُدخلت على نظام البكالوريا عام 2018 أدت إلى تفاقم التفاوت الاجتماعي وتطويل اليوم الدراسي.
أبعاد اجتماعية واقتصادية متسعة
أوضحت القراءة التحليلية للنص الصادر عن وكالة الأنباء الألمانية أن التوتر الجيلي يعمق هذه الأزمة؛ حيث يعاني الشباب من ارتفاع معدلات البطالة، بينما تستحوذ المعاشات التقاعدية على نحو 14% من الناتج المحلي الإجمالي، مما يولد شعوراً لدى الأجيال الشابة بأن أولويات الحكومة تصب دائماً لصالح الناخبين الأكبر سناً.
وقد تجاوزت المطالب نطاق المنظومة التعليمية لتمس غلاء المعيشة وارتفاع أسعار الوقود والرفض العام للسياسات الحكومية. واستقطب الحراك قوى مختلفة مثل النقابات العمالية (كالكونفدرالية العامة للعمل) وحركة "السترات الصفراء"، كما رُفعت في المسيرات شعارات مناهضة لحزب "التجمع الوطني" اليميني المتطرف، ولائحة مطالبات أخرى شملت التضامن مع الفلسطينيين والتنبيه لمخاطر التغير المناخي والذكاء الاصطناعي.
رد الفعل الحكومي والتصعيد الميداني
ورغم استجابة الحكومة الأولية بتوفير 3 آلاف معلم إضافي والتراجع عن بعض الرسوم التحضيرية، واجتماع رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو بممثلين عن الحراك في 26 تشرين الأول/أكتوبر لتقديم تدابير إضافية، إلا أن الدعوات للاستمرار في التعبئة ظلت قائمة.
ومع اقتران التظاهرات برد أمني صارم، تفاقمت أعمال العنف بين الجانبين، حيث أسفرت الحملات الأمنية الصارمة بين 28 أيلول/سبتمبر و5 تشرين الأول/أكتوبر عن توقيف أكثر من 6 آلاف شخص (شكل القاصرون نحو 90% من المحتجزين). وتصاعدت الأحداث في 17 تشرين الأول/أكتوبر لتتحول إلى ما وصفه خبراء بـ "أسوأ أعمال شغب تشهدها البلاد"، بمشاركة ما بين 550 ألفاً و800 ألف شخص، مما دفع السلطات لفرض حظر تجول وإصدار قرارات بمنع التظاهر بعد إصابة مئات العناصر الأمنية والقبض على 2700 شخص آخرين.
من جانبه، أدان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون العنف، مميزاً بين المطالب الطلابية وبين من وصفهم بمثيري الشغب من "اليسار المتطرف" الذين يتهمهم بسعي لإسقاط الجمهورية وإشاعة الفوضى.
توظيف سياسي واستقطاب ينتظر انتخابات 2027
تأتي هذه الاضطرابات قبيل الانتخابات الرئاسية المقررة في ربيع عام 2027، وسط اتهامات وجهتها المؤسسة السياسية لحزب "فرنسا الأبية" (اليسار المتطرف) وزعيمه جان لوك ميلانشون باستغلال غضب الشباب وتأجيج الشارع لتحقيق مكاسب انتخابية. في المقابل، استغلت مارين لوبن، مرشحة "التجمع الوطني" (اليميني المتطرف)، المشهد لتأكيد دعمها القاطع للقوات الأمنية وتحميل اليسار مسؤولية الانفلات.
ويرى الباحث ماتيوس ماتيس، وفق التقرير الذي بثته وكالة الأنباء الألمانية، أن مشاهد الفوضى الميدانية تصب مباشرة في مصلحة اليمين المتطرف الداعي إلى فرض النظام والأمن. وأظهرت استطلاعات الرأي التي أعقبت أحداث 17 أكتوبر ثبات تقدم لوبن بنسبة تتجاوز 30% من أصوات الناخبين، بينما صعد ميلانشون للمركز الثاني بنسبة 17%، مما يمهد لمواجهة حاسمة بين الطرفين الراديكاليين.
آفاق قاتمة وخيارات محدودة للمؤسسة الرئاسية
مع ترقب استمرار التحركات وحالة التوتر المتصاعدة إثر حادثة إطلاق النار ذات الطابع العنصري في 23 تشرين الأول/أكتوبر، تبدو الفرص المتاحة أمام الرئيس ماكرون لمعالجة الأزمة ضيقة جداً في ظل أزمة الديون الوطنية وتراجع شعبيته.
وتلخص الباحثة ليانا فيكس المشهد بالإشارة إلى أنه بينما كان يُنظر إلى ماكرون سابقاً كـ "رئيس في مرحلة أفول النفوذ" لعدم إمكانية ترشحه لولاية جديدة، فإن الاضطرابات الأخيرة جعلته يبدو في نظر الشارع كـ "رئيس فقد السيطرة على البلاد وانقطعت صلته بشعبه"، في وقت تستعد فيه القوى السياسية المتطرفة لاستغلال هذا الفراغ للوصول إلى قصر الإليزيه.



