سياسات ترامب الاقتصادية تعمّق الفجوة بين الأغنياء والفقراء

الرئيس الأميركي دونالد ترامب . (NNA)
تحرير : سنا الحسيني
وعد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، قبيل انتخابات عام 2024، الأميركيين بتحقيق عصر ذهبي اقتصادي، متعهداً بتوفير أفضل الوظائف وأعلى الرواتب وتحقيق مستقبل اقتصادي مزدهر، بحسب مجلة «ذي إيكونوميست» في تقرير نشرته الأحد 26 أكتوبر/تشرين الأول 2026. وأكد ترامب أن مزيجه غير التقليدي من الرسوم الجمركية والتخفيضات الضريبية وترحيل المهاجرين سيؤدي إلى خفض تكاليف المعيشة، وإنعاش المناطق الصناعية الأميركية، واستعادة ازدهار الطبقة الوسطى.
وفي 22 أكتوبر/تشرين الأول، أعلن البيت الأبيض أن سياسات ترامب تساهم في رفع الأجور وتحقيق طفرة في وظائف العمال. ويشهد الاقتصاد الأميركي نمواً قوياً، إذ يُتوقع أن يرتفع الناتج الاقتصادي بمعدل سنوي يقارب 3% خلال الربع الثالث. لكن المجلة تشير إلى أن كثيراً من الأميركيين الذين وعد ترامب بمساعدتهم تكبّدوا خسائر، في حين حقق الأكثر ثراءً مكاسب.
وتُعد زيادة تكاليف المعيشة من أبرز التحديات التي تواجه الإدارة الأميركية، إذ رفعت الرسوم الجمركية الواسعة التي فرضها ترامب أسعار السلع الاستهلاكية بنحو 2%، وفقاً لبنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك. ويقدّر مختبر الميزانية في جامعة ييل أن هذه الرسوم ستكلف الأسرة الأميركية المتوسطة نحو 1,100 دولار خلال العام الحالي. كذلك، أدت الحرب في إيران إلى ارتفاع أسعار النفط، ومن المتوقع أن تضيف نحو 1,000 دولار أخرى إلى نفقات الأسرة المتوسطة بحلول نهاية العام.
وفي المقابل، ساهم قانون ترامب الرئيسي للضرائب والإنفاق، المعروف باسم «القانون الكبير والجميل الواحد»، في زيادة المبالغ المستردة من الضرائب بنحو 340 دولاراً في المتوسط. كما أنشأ القانون «حسابات ترامب» بهدف توسيع نطاق امتلاك الأسهم في سوق المال، إذ يحق للأطفال حديثي الولادة المستوفين للشروط الحصول على 1,000 دولار لاستثمارها في الأسهم. إلا أن المكاسب الأكبر ذهبت إلى الأميركيين الأكثر ثراءً من خلال التخفيضات الضريبية، في حين شدّد القانون شروط الحصول على المساعدات الغذائية، ما أدى إلى حرمان أكثر من خمسة ملايين أميركي من هذه المنافع حتى الآن، إضافة إلى تقييد الوصول إلى برنامج «ميديكيد» للرعاية الصحية المخصص للفئات الفقيرة.
ولتحديد المحصلة الصافية لهذه المكاسب والخسائر، جمعت «ذي إيكونوميست» تقديرات تأثير الرسوم الجمركية وارتفاع أسعار الوقود وقانون الضرائب والإنفاق على فئات الدخل المختلفة خلال عام 2026. وتُظهر التقديرات أن سياسات ترامب ستكلف أفقر 10% من الأسر الأميركية، التي يبلغ متوسط دخلها بعد الضرائب والتحويلات نحو 37 ألف دولار، ما يقارب 3% من دخلها. في المقابل، سيحقق أغنى 10% من الأسر، التي يقترب متوسط دخلها بعد الضرائب من 500 ألف دولار، مكاسب تقارب 3%. أما الأسر التي تقع في منتصف توزيع الدخل، ويبلغ متوسط دخلها نحو 100 ألف دولار، فستتكبد خسائر تتجاوز 400 دولار.
ولا تشمل هذه الحسابات أثر انتهاء العمل بالدعم المعزز لبرنامج «أوباماكير» للتأمين الصحي، بموجب قرار اتخذه الجمهوريون في الكونغرس العام الماضي وأيده ترامب. ووفقاً لمؤسسة «كيه إف إف» المتخصصة في سياسات الصحة، أدى ذلك إلى ارتفاع متوسط أقساط التأمين الصحي الفردي الذي يُشترى عبر منصات التبادل بنحو 800 دولار سنوياً.
وتشكّل تكاليف السكن تحدياً إضافياً أمام الرئيس الأميركي، إذ ارتفعت معدلات فوائد الرهن العقاري إلى أكثر من 7%، نتيجة عوامل تشمل الآثار التضخمية للحرب في إيران، ما دفع مالكي المنازل الحاليين إلى البقاء في مساكنهم وتأجيل الانتقال إلى منازل أخرى. كما أصبحت إضافة وحدات سكنية جديدة أكثر تكلفة، بعدما قدّر البناؤون العام الماضي أن الرسوم الجمركية على مواد البناء ستضيف نحو 11 ألف دولار إلى تكلفة المنزل الجديد النموذجي.
كذلك، أدى تشديد إجراءات الهجرة إلى تفاقم نقص العمالة في قطاع البناء. وأظهر استطلاع أجرته الجمعية الوطنية لبناة المنازل في سبتمبر/أيلول ارتفاع تكاليف العمالة بنسبة 4.2% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. وتتحمل الأسر منخفضة الدخل والطبقة الوسطى العبء الأكبر من هذه الزيادات؛ ففي مايو/أيار، تراجعت مبيعات المنازل المخصصة للمشترين لأول مرة بنسبة 5.4% على أساس سنوي، في حين ارتفعت مبيعات المنازل الفاخرة بنسبة 6.2%، وفقاً لشركة «زيلو» المتخصصة في العقارات عبر الإنترنت.
أما في سوق العمل، فقد استحوذ قطاعا الرعاية الصحية والمساعدة الاجتماعية على معظم الزيادة في وظائف القطاع الخاص منذ يناير/كانون الثاني 2025، لتلبية الطلب المتزايد نتيجة شيخوخة السكان في الولايات المتحدة. كما ساهم ازدهار الذكاء الاصطناعي في توفير نحو 180 ألف وظيفة جديدة في الصناعات المرتبطة بإنشاء مراكز البيانات وتوسيعها.
لكن التوظيف في القطاعات الخاصة الأخرى لم يشهد تغيراً يُذكر. فقد تباطأ نمو الأجور السنوي في القطاع الخاص من 4% إلى 3%، فيما أدى ارتفاع التضخم إلى انخفاض الأجر الحقيقي للساعة بنسبة 0.7% مقارنة بالعام السابق. كذلك، تراجعت حصة العمالة من الناتج في قطاع الأعمال غير الزراعي إلى أدنى مستوى لها منذ بدء تسجيل البيانات عام 1947، ولا تفسر التغييرات التقنية في تصنيف أرباح أصحاب الأعمال سوى جزء من هذا الانخفاض.
ولم يتحقق الانتعاش الموعود في الوظائف الصناعية، فعلى الرغم من ارتفاع الإنتاج الصناعي، تراجع عدد العاملين في قطاع التصنيع بنحو 20 ألف وظيفة منذ يناير/كانون الثاني 2025، فيما لم تتمكن أجور عمال المصانع من مواكبة التضخم خلال العام الماضي. وفي ولاية كارولاينا الشمالية، التي فاز بها ترامب في انتخابات 2024، اختفت قرابة تسعة آلاف وظيفة في المصانع خلال العام الماضي، في وقت تشير فيه التوقعات الواردة في التقرير إلى احتمال فوز مرشح ديمقراطي بمقعد الولاية في مجلس الشيوخ.
وفي المقابل، استفاد الأميركيون المستثمرون في سوق الأسهم من ارتفاع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500»، مدفوعاً بطفرة الذكاء الاصطناعي. لكن هذه المكاسب توزعت بصورة غير متكافئة؛ فمن أصل زيادة بلغت 17 تريليون دولار في ثروة الأميركيين من الأسهم وصناديق الاستثمار المشتركة منذ نهاية عام 2024، ذهبت قرابة 90% إلى أغنى 10% من الأسر، مقابل 0.6% فقط للنصف الأفقر من السكان، وفقاً لبيانات الاحتياطي الفيدرالي.
وانعكست هذه التطورات على مواقف الأميركيين من السياسات الاقتصادية للإدارة. إذ يرى نحو ثلثي الأميركيين أن سياسات ترامب جعلت الأوضاع الاقتصادية أسوأ، بحسب استطلاع حديث أجراه مركز «بيو» للأبحاث. كما يتبنى هذا الرأي 35% من الجمهوريين والمستقلين الذين يميلون إلى الحزب الجمهوري، وهي نسبة تقارب ضعف مستواها في يناير/كانون الثاني.
وبدأ الناخبون الأكثر تأثراً بارتفاع تكاليف الوقود والرسوم الجمركية، ومن بينهم المزارعون، يميلون نحو الحزب الديمقراطي. وفي محاولة لاستمالة الناخبين، يتعهد ترامب بمنح 5,000 دولار لكل مواطن أميركي بالغ إذا احتفظ الجمهوريون بالسيطرة على الكونغرس في انتخابات الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني. غير أن هذا الوعد قد لا يكون كافياً لطمأنة الناخبين الذين ما زالوا يشعرون بأنهم لم يستفيدوا من المكاسب الاقتصادية.



